الباب الرابع: تقييم عام لنظرية الشاطبي
الفصل الأول: نظرية الشاطبي بين التقليد، والتجديد
رغم أن التجديد الذي جاء به الشاطبي -في أصول الفقه عمومًا، وفي مقاصد الشريعة خصوصًا- لا ينازع فيه أحد، ولا نجد إلا من يشهد وينوه به، فإن الذي لا ينبغي الشك فيه أيضًا، هو أن الشاطبي لا يمكن أن يكون قد ابتدأ نظريته ابتداء، وأبدعها إبداعًا تاما فليس هذا من طبيعة الأمور. بل لا بد أن يكون قد استفاد ممن سبقوه، وبنى على ما قرروه.
ومعنى هذا أن الشاطبي قد اتبع وأبدع، وقلد وجدد، وأخذ وأعطى. وليس مطلوبًا من أحد -مهما بلغ- أكثر من هذا. ويبقى التفاضل في مقدار التجديد وقيمته.
جوانب التقليد:
ولنبدأ بجانب الاتباع والتقليد في نظرية الشاطبي، لأنه المبتدأ والمنطلق، حيث نجد الشاطبي نفسه، يعتز بكون ما هدي إليه ووفق فيه من إبداع وتجديد، هو: "أمر قررته الآيات، والأخبار، وشد معاقله السلف الأخيار، ورسم معالمه العلماء الأحبار، وشيد أركانه أنظار النظار"١.
ويأتي في طليعة هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ: "الذين عرفوا مقاصد الشريعة فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصولها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مباديها وغاياتها فصاروا خاصة الخاصة، ولباب اللباب، ونجومًا يهتدي بأنوارهم أولوا الألباب"٢.
_________________
(١) ١ الموافقات، ١/ ٢٥. ٢ الموافقات، ١/ ٢١.
[ ٢٩٢ ]
فهو إذًا، يغترف مما قررته الآيات والأحاديث، ويهتدي في ذلك بمنهج الصحابة الأخيار، ويفصل المعالم التي رسمها أئمة العلماء، ويبني على أركان شيدها الأصوليون النظار.
هذا على وجه الإجمال.
وأما بشيء من التفصيل، فقد سبق أن مهدت لهذه الدراسة لنظرية الشاطبي، بعرض حول فكرة المقاصد عند الأصوليين١، وفي المذهب المالكي٢. وبالنظر في ذينك الفصلين، ومقارنة ما جاء فيهما مع الفصول اللاحقة لهما، يتضح الكثير من أوجه التشابه والتلاقي، أو بعبارة أوضح، يظهر الكثير من أوجه تأثير الشاطبي بمن سبقوه، واستفادته منهم. وفيما يلي بعض الإشارات الموجزة إلى ذلك:
_________________
(١) ١ الفصل الأول من الباب الأول. ٢ الفصل الثاني من الباب الأول.
[ ٢٩٣ ]