جوانب التجديد في نظرية الشاطبي:
ذكرت في أول هذا الفصل أن تجديد الشاطبي في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، أمر لا ينازع فيه أحد. وأننا لا نجد إلا من يشهد به أو يشير إليه
والشاطبي نفسه هو أول متنبه، وأول منبه على ما وفق إليه في موافقاته، من وجوه التجديد والإبداع. وقد تقدم قوله "ولما بدا من مكنون السر ما بدا، ووفق الله لما شاء منه وهدى"١.
وقد كان ﵀ يخشى أن يتلقى تجديده بالنفور والإنكار، ولهذا خاطب قارئه وطمنه بقوله: "فإن عارضك دون هذا الكتاب عارض الإنكار، وعمي عنك وجه الاختراع فيه والابتكار، وغر الظان أنه شيء ما سمع بمثله، ولا ألف في
_________________
(١) ١ الموافقات، ١/ ٢٣.
[ ٣١٠ ]
العلوم الشرعية الأصلية على منواله، أو شكل بشكله -وحسبك من شر سماعه، ومن كل بدع في الشريعة ابتداعه- فلا تلتفت إلى الإشكال دون اختبار، ولا ترم بمظنة الفائدة على غير اعتبار. فإنه -بحمد الله- أمر قررته الآيات والأخبار و "١.
وقد بلغ من تخوف الشاطبي من أن يساء فهمه، بسبب ما ألفه أهل العلم من الجمود والركود، ومن التكرار والاجترار، إلى حد التخلي عن بعض ما كان يريد ذكره من تحقيقاته، والاكتفاء ببعض الرموز والإشارات إلى ذلك فقد ختم "الموافقات" بهذه العبارات المثيرة والمشيرة: "وقد تم -والحمد لله- الغرض المقصود، وحصل -بفضل الله- إنجاز ذلك الموعود. على أنه قد بقيت أشياء لم يسع إيرادها. وقل -على كثرة التعطش إليها- ورادها. فخشيت أن لا يردوا مواردها، وأن لا ينظموا في سلك التحقيق شواردها، فثنيت من جماع بيانها العنان، وأرحت من رسمها القلم والبنان. على أن في أثناء الكتاب رموزًا مشيرة، وأشعة توضح من شمسها المنيرة، فمن تهدى إليها رجا بحول الله الوصول".
وقد مر بنا أن صاحب "نيل الابتهاج" وصف كتاب "الموافقات" بأنه "لا نظير له"، ولا شك أنه يشير بهذا إلى جوانب التجديد في الكتاب، وأهمها ومعظمها هو ما يتعلق بمقاصد الشريعة.
وأما حديثًا فقد توالت الإشادات والشهادات بتجديد الشاطبي وإبداعه:
فقد شهد العلامة الشيخ محمد رشيد رضا بأن كتاب الموافقات "لا ند له في بابه" وأنه "لم يسبق إلى مثله سابق" وأن صاحبه "من أعظم المجددين في الإسلام"٢.
_________________
(١) ١ الموافقات، ١/ ٢٥، وقد تقدمت تتمة كلامهء أول هذا الفصل. ٢ من مقدمته لكتاب الاعتصام، ص٤.
[ ٣١١ ]
وكذلك فعل في كتابه "تاريخ الأستاذ الإمام"، حيث عد الشاطبي من مجددي القرن الثامن١.
وتبعه في هذا صاحب كتاب "المجددون في الإسلام، من القرن الأول، إلى الرابع عشر"، فبعد أن لخص كلام الشيخ عبد الله دراز في أهمية المقاصد، ومكانة الشاطبي في إبرازها "من مقدمته للموافقات" قال: "وهذه ناحية من التجديد، لها قيمة عظيم"٢ ثم قال "وبهذا يكون للشاطبي ذلك الفضل الكبير -بعد الإمام الشافعي- لأنه سبق هذا العصر الحديث بمراعاة ما يسمى فيه روح الشريعة، أو روح القانون، وهذا باهتمامه بمقاصد الشريعة ذلك الاهتمام، وسلوكه في علم أصول الفقه ذلك المسلك"٣.
وبناء على هذا، فقد عد الإمام الشاطبي من أهل التجديد في القرن الثامن، وإن كان يقدم عليه في الرتبة: ابن خلدون، وابن تيمية، وابن القيم٤.
وأما الشيخ مصطفى الزرقا فيقول: "كتاب الموافقات هو أجل كتاب عرفناه في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، أتى فيه مؤلفه الموفق -﵀- بعجائب التفكير السديد والبصر الفقهي، والأسلوب المبتكر"٥.
وعلى هذا المنوال يقول الدكتور مصطفى سعيد الخن "لقد سلك المؤلف في كتابه هذا مسلكا فريدًا لم يسبق إليه" وسر ذلك: "أنه عرض أصول الفقه من خلال مقاصد الشريعة"٦.
_________________
(١) ١ انظر ذلك في تصدير الكتاب المذكور، ص: ج. ٢ المجددون في الإسلام لعبد المتعال الصعيدي، ٣٠٩. ٣ المجددون في الإسلام، ٣٠٩. ٤ المرجع السابق، ٢٠٤ و٣١١، وأما هذه المفاضلة، وكذا بعض آرائه الأخرى في فكر الشاطبي، فلا أرى ضرورة للتعليق عليها، لأنها خارجة عن موضوعي وغرضي. ٥ المدخل الفقهي العام، ١/ ١١٩. ٦ دراسة تاريخية للفقه وأصوله، ٢١٩.
[ ٣١٢ ]
ولست أريد بهذه الشهادات، وبغيرها مما سيأتي، أن أثبت تجديد الشاطبي، ولكن أوردها، "ليطمئن قلبي"، وليطمئن قلب القارئ أيضًا. ذلك أن الحديث عن تجديد الشاطبي، إنما هو بالنسبة إلى تراث ضخم من المؤلفات والجهود العلمية التي سبقته في مضمار الشريعة الإسلامية أصولًا وفروعًا، وفي مجال "أصول الفقه" خصوصًا. وهذا يقتضي الاطلاع الواسع والفحص الدقيق، لمؤلفات من سبقوا الشاطبي. وهو أمر متعذر على الفرد الواحد، ولو أفنى فيه عمره خاصة وأن أكثر تلك المؤلفات ما يزال مخطوطًا ومغمورًا أو متلاشيًا أو مجهولًا. ومن هنا لا تكون شهادة باحث واحد كافية، ولا ينبغي لأحد -وخاصة إذا كان مقلا مثلي- أن يسمح بالاقتصار في مثل هذا الأمر على مجهوده الخاص في الاطلاع والفحص والمقارنة بل لا بد -ليحصل التسليم والاطمئنان- من ضم هذه الشهادة بعضها إلى بعض، حتى تعطينا نوعًا من التواتر المعنوي.
على أن ما يمكن أن أضيفه إلى هذه الشهادات حول تجديد الشاطبي، هو إبراز جوانب هذا التجديد، وبشيء من التفصيل والتوضيح، وإن كان بعض هذا قد تقدم فيما مضى من الكتاب. ولكنه تقدم في إشارات متفرقة لا تفي بالمطلوب وفيما يلي أهم جوانب التجديد، التي تميز بها الشاطبي في تناوله لمقاصد الشريعة:
[ ٣١٣ ]