التشريع وحكمه عمومًا١. أما تناول الكلاميين للفقه المقاصدي فقد كان ذا آثار سلبية في الغالب٢.
و"المعهد العالمي للفكر الإسلامي" قد تأسس للعمل على محورين أساسيين:
الأول: إصلاح مناهج الفكر لدى المسلمين وإعادة ترتيب وتشكيل أولويات العقل المسلم.
الثاني: إعادة بناء النسق الثقافي الإسلامي وتقديم معرفة إنسانية واجتماعية معاصرة من منظور إسلامي.
ومن أهم وسائل تحقيق الهدف الأول في "إصلاح مناهج الفكر لدى المسلمين" نقل العقل المسلم من الانشغال في الجزئيات إلى الكليات، ومن التوقف عند الرسوم والمباني إلى التوجه نحو الحقائق والمعاني ومن التقليد والتبعية إلى الإيداع والأصالة من الاستغراق التام بالوسائل إلى العمل معها على تحقيق المقاصد والغايات. وهذه الأهداف الكبرى لن يحدث الوعي الهادف المتحرك عليها إلا بعد جهود علمية متصلة توضح سائر جوانبها وتنير مختلف أبعادها.
وعندما أصدرنا الكتاب الأول من سلسلة قضايا الفكر الإسلامي وهو كتاب "حجية السنة" لشيخنا العلامة عبد الغني عبد الخالق تغمده الله برحمته، قلنا في تقديمنا له: "إن المعهد ليأمل بعد صدور هذا السفر الجليل الذي يمثل كلمة فاصلة وحجة قاطعة ومصدرًا علميًّا لا يوازي في قضية "حجية السنة" أن يلتفت العلماء والباحثون بمثل هذا العمق والدقة العلمية إلى خدمة قضية أخرى هامة من قضايا السنة ألا وهي قضية مناهج فهم السنة ودراستها واستلهامها الحلول والتشريعات والمفاهيم الحياتية والنظم الاجتماعية بما يحقق غايات الإسلام ويعطي الأمة رؤية نيرة تقطع دابر الشك والعجز والتردد٣.
_________________
(١) ١ مثل كتاب إحياء علوم الدين ونحوه. ٢ يمكن مراجعة بعض هذه الآثار في بحث صغير لنا نشر بعنوان "تعليل الأحكام الشرعية وموقف الحنابلة منه نشر في مجلة البحوث العلمية" الرياض. ٣ حجية السنة ص١٨. الطبعة الأولى ١٣٠٧هـ/ ١٩٨٦م.
[ ٢ ]
وعندما أصدر المعهد أيضًا الحلقة الأولى من سلسلة أبحاث علمية وهو بحث "أصول الفقه الإسلامي منهج بحث ومعرفة"، ألح البحث كثيرًا على: "الاهتمام بمعرفة مقاصد الشريعة وتنمية دراستها والعمل على وضع قواعد أو ضوابط لها"١.
والكتاب الذي نصدره اليوم ضمن سلسلتنا الجديدة "مختارات من الرسال الجامعية" وهو أطروحة "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" للأستاذ أحمد الريسوني يحقق خطوة هامة وأساسية مما أملناه ورجوناه ويشكل لبنة أساسية في بناء الفكر المقاصدي المعاصر.
ففيما يخص مناهج فهم الكتاب والسنة ودراستهما واستلهام هديهما، يقدم لنا هذا البحث عرضا ودراسة لنموذج متميز في هذا الباب ألا وهو الإمام أبو إسحاق الشاطبي "٧٩٠ هـ" الذي أصبح اليوم كما يقول الشيخ مصطفى الزرقا: "نجما ساطعًا يستضاء به في بحوث أصول الشريعة ومقاصدها وتوضح به المحجة وتقام به الحجة"٢.
ولا مبالغة إذا قلنا: إن أهم ما قدمه لنا الشاطبي وبرز فيه بروزًا فريدًا هو مناهج فهم الكتاب والسنة فهما سليمًا متينًا، ولم يكن إبداعه في مقاصد الشريعة إلا ثمرة لتلك المناهج والقواعد. ولقد كان الشاطبي على بينة تمامًا من أهمية منهجه وقيمته العلمية فهو منذ تقديمه لكتاب "الموافقات" يلفت نظرنا إلى منهجه الاستقرائي المتين المبني على فهم الكتاب والسنة فيقول: "ولما بدا من مكنون السر ما بدا ووفق الله الكريم ملا شاء منه وهدى، لم أزل أقيد من أوابده، وأضم من شوارده تفاصيل وجملا، وأسوق من شواهده في مصادر الحكم وموارده مبينًا لا مجملًا، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبينا أصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الاستطاعة والمنة، في بيان مقاصد الكتاب والسنة"٣.
_________________
(١) ١ أصول الفقه الإسلامي منهج بحث ومعرفة، ص٢٤. ٢ من تقديمه لكتاب "فتاوى الإمام الشاطبي" للأستاذ محمد أبي الأجفان، ص٨. وسيأتي نص كلامه في أواخر هذا الكتاب. ٣ الموافقات: ١/ ٢٣.
[ ٣ ]
وقد عمل المؤلف الفاضل على تجلية هذا المنهج الاستقرائي عند الشاطبي وبيان قيمته ومدى الحاجة غليه. ومن الجوانب التي تضمنها هذا الكتاب والتي تخدم مناهج فهم الكتاب والسنة، بحثه المستفيض لمسألة تعليل الشريعة وتعليل أحكامها. ومن أهم ما ينبني على هذا البحث هو ما قرره المؤلف، ودافع عن صحته، من ضرورة أخذ النصوص بمقاصدها، وضرورة إدخال التفسير المصلحي في معانيها وأحكامها.
ومن خلال هذا الكتاب تتضح قضية أخرى من منهاج فهم نصوص الشريعة، وهي أهمية الاعتماد على الكليات التشريعية وتحكيمها في فهم النصوص الجزئية وتوجيهها. وهو نوع من رد المتشابهات إلى المحكمات، والجزئيات إلى الكليات، فكليات الشريعة ومقاصدها العامة، هي أصول قطعية لكل اجتهاد ولكل تفكير إسلامي، فلا بد من إعادة الاعتبار إليها، ولا بد من وضعها في المقام الأول، ثم يرتب ما عداها عليها. وهذه خطوة ضرورية لإعادة تشكيل العقل المسلم ولإعادة ترتيب موازينه وأولوياته. ذلك أن من أهم مظاهر أزمة العقل المسلم: اختلال الموازين والأولويات التي وضعها الإسلام في نصابها. فوقع فيها -على مر العصور- تقديم وتأخير، وتضخيم وتقزيم، على خلاف وضعها الحق. ولعلل هذا ما نبه إليه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ حين قال لبعض أصحابه: "إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه١، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة يبدون أعمالهم قبل أهوائهم٢. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده. كثير من يسأل قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة. يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم٣.
وما أكثر ما أصيبت حياتنا العلمية والعملية بأمثال هذه الاختلالات والانقلابات في القيم والأولويات. كثر الحفاظ وتزايد القراء وضعف الفقهاء الحكماء. وبولغ في ضبط
_________________
(١) ١ أي أن حفاظ النصوص قليلون وحفظهم محدود، ولكن التفقه في النصوص ومعانيها كثير على خلاف من سيأتون بعدهم. ٢ أي أن أعمالهم مقدمة على أهوائهم، فالأعمال متبوعة، والأهواء تابعة، على خلاف اللاحقين الذين تصير أعمالهم تابعة لأهوائهم. ٣ رواه الإمام مالك بسنده إلى عبد الله بن مسعود. انظر: "الموطأ" باب جامع الصلاة.
[ ٤ ]
الرسوم والألفاظ، وضيعت المعاني والأحكام، وروعيت المظاهر والأشكال، وأهملت المقاصد والجواهر، وطغت الجزئيات وتنوسيت الكليات. وأميتت سنن وقدمت مبتدعات.
فهذه قضية كبيرة أمام علماء الإسلام ومفكريه ودعاته، قضية إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة بناء منظومة الموازين والقيم ووضع كل في نصابه.
وأما فيما يخص الأمر الثاني الذي دعونا إليه ورجونا الاهتمام به، وهو دراسة مقاصد الشريعة والعمل على وضع قواعد أو ضوابط لها. فإن هذا الكتاب من الكتب الرائدة في هذا المجال وقد قطع -فيما نرى- شوطًا أساسيًا اقتحم فيه عقبات وصعابًا مهيبة خطرة. ونحسب أنه قد حالفه الكثير من التوفيق والنجاح. فهو يقدم دراسة شاملة لنظرية المقاصد في مختلف جوانبها. كما يقدم دراسة دقيقة عن الفكر المقاصدي عند شيخ المقاصديين أبي إسحاق الشاطبي، إضافة إلى دراسة هامة عن الشاطبي نفسه. وهي دراسة جاءت بالكثير من الجديد المفيد عن حياة هذا الإمام وفكره ومنهاجه.
أما القواعد والضوابط التي تنتظم مقاصد الشريعة وتضبطها فإن المؤلف قد قام بعمل في غاية الأهمية والإفادة. فهو قد نخل كتابي "الموافقات" و"الاعتصام" للشاطبي، واستخرج منهما ثروة نفيسة من "قواعد المقاصد" كما أبرز -من جهة أخرى- أهم الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة مقاصد الشارع، وأهمها على الإطلاق: الاستقراء، الذي كان ديدن الشاطبي وسمته المنهجية البارزة١.
كما خطا هذا البحث خطوة هامة في إطار الاستفادة من مقاصد الشريعة، وفي ضبط وجوه هذه الاستفادة منها، وذلك في الفصل المخصص للمقاصد والاجتهاد. وهذه -كما ذكر المؤلف- هي أهم ثمرة ترجى من كل اهتمام بالمقاصد ومن كل دراسة لها.
_________________
(١) ١ ويمكن مراجعة هذه المسالك والطرق إضافة إلى مواضعها من الكتب الأصولية المعروفة في الموافقات ٢/ ٣٠٣ وما بعدها ومقاصد الشريعة لابن عاشور "١٩" ومسالك للكشف عن مقاصد الشريعة بين الشاطبي وابن عاشور، مجلة العلوم الإسلامية/ جامعة الأمير عبد القادر الجزائرية د. عبد المجيد النجار. والأهداف العامة للشريعة الإسلامية د. يوسف العالم ﵀ مخطوط يعده المعهد للطباعة إن شاء الله.
[ ٥ ]
ذلك أننا في أمس الحاجة إلى اجتهاد المقاصد وفقه المقاصد، وهو الفقه الذي وصفه ابن القيم بأنه "الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان" ففي فصل له بعنوان "اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ"، نقل عن "مصنف وكيع" "أن عمر قضى في امرأة قالت لزوجها: سمني فسماها الطيبة. فقالت: لا. فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت سمني خلية طالق، فقال لها فأنت خلية طالق. فأتت عمر بن الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني. فجاء زوجها فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها. وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان. وقد تقدم أن الذي قال لما وجد راحلته: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح، لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر لكونه لم يرده"١.
ولقد كان "مراد الشارع" و"قصد الشارع" ضالة المتقدمين ومن تبعهم من العلماء الراسخين، ولم تكن الألفاظ لتأسرهم إذا ظهر لهم وراءها من حكمة وقصد. وسيجد القارئ نماذج كثيرة جدا من هذا "الفقه الحي" في مختلف فصول هذا الكتاب، سيجدها جنبًا إلى جنب مع قواعدها وضوابطها خاصة في الفصل الأخير منه.
ولقد أتى على فقهنا -في معظمه- حين من الدهر صار فيه أقرب إلى الجمود والعجز منه إلى الحياة والفعالية، ذلك أنه افتقد -فيما افتقده- روح المقاصد ونظرية المقاصد. وقد تعرض العلامة التونسي الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور لأسباب انحطاط الفقه وتخلفه، فعد منها "إهمال النظر في مقاصد الشريعة من أحكامها" ثم قال: "كان إهمال المقاصد سببًا في جمود كبير للفقهاء، ومعولًا لنقض أحكام نافعة. وأشأم ما نشأ عنه مسألة الحيل التي ولع بها الفقهاء بين مكثر ومقل"٢.
ومن هنا فإن إحياء فقه المقاصد هو عمل ضروري لتجديد الفقه وتقوية دوره ومكانته، يقول العلامة الأستاذ علال الفاسي: "وإن في ثلة الفقهاء المجددين على قلتهم ضمانًا للسير بالفقه الإسلامي إلى شاطئ النجاة حتى يصبح مرتبطًا بمقاصد
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: ٣/ ٦٣. ٢ أليس الصبح بقريب من ص٢٠٠.
[ ٦ ]
الشريعة وأدلتها، ومتمتعا بالتطبيق في محاكم المسلمين وبلدانهم"١.
والفقه الإسلامي الذي ندعو ونعمل لأجل تجديده وتقويته وبعث صفاته وحيويته، وربطه بمقاصد الشريعة وكلياتها، هو من أفضل الضمانات لإيجاد ضوابط شرعية لحياة إسلامية معاصرة، ذلك أن الفقه الإسلامي بشموليته التي لا يحدها شيء، وبمصادره وضوابطه التي لا يشوب إسلاميتها شيء، هو أكثر العلوم الإسلامية إسلامية، وأبعدها عن كل تأثير أجنبي٢، وقد نبه على هذه الملاحظة الهامة الأستاذ علال الفاسي وأكد عليها مرارًا في كتابه "دفاع عن الشريعة"٣. فقد تسلم بتسرف التأثير الأجنبي إلى علوم إسلامية لها وزنها وخطرها -على تفاوت في ذلك- مثل جوانب من علم الكلام التي دخلتها التأثيرات اليونانية، وبضع جوانب من علم التصوف. كما أن بعض الأصوليين قد استهواهم المنطق اليوناني فولعوا به وحاولوا مزجه بعلم أصول الفقه، حتى ذهب الإمام الغزالي إلى أن من لم يتقن علم المنطق لا يوثق بعلمه٤. وأما التفسير فكان مجالًا رحبًا لترويج مختلف الأقاويل والنحل من الإسرائيليات إلى الفلسفيات التي ذهب ابن رشد الحفيد إلى أن معرفتها لا بد منها لفهم مقاصد القرآن٥.
"ولكنك -كما يقول علال الفاسي- لا تجد أي أثر من آثار المدارس الفقهية الأجنبية في الفقه الإسلامي، سواء منه ما يتعلق بالعبادات أو ما يتعلق بالمعاملات وغيرها من أبواب الشريعة"٦. "فإذا أردنا أن نعيد بناء الفكر الإسلامي على حقيقته، فما علينا إلا أن ندرس الفقه الإسلامين، ونعمل على تطبيقه في محاكمنا ومعاملاتنا"٧. ونبني فقه المقاصد لنحقق هويتنا، ونبني أصالتنا المعاصرة، ونستعيد دورنا، ونشيد دعائم شهودنا الحضاري، على هدي من فقهنا الحضاري.
_________________
(١) ١ مقاصد الشرعية الإسلامية ومكارمها. ص١٦١. ٢ نعم يشاركه في هذا الصفاء والنقاء من التأثيرات الخارجية علم الحديث -فهو أيضًا علم إسلامي خالص- ولكنه محدود الوظيفة والاختصاص. ومنهجه محتوى في مناهج الفقه وأصوله. ٣ انظر الصفحات: ٦٩-٧٠-٧١-١٤٩. ٤ انظر المستصفى: ١/ ١٠. ٥ فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. ٦ دفاع عن الشريعة ص٧٠. ٧ المرجع السابق ص٧١.
[ ٧ ]
وسوف يوالي المعهد -إن شاء الله- تقديم الدراسات الجادة الهادفة التي تشكل اللبنات الحقيقية في بناء العقلية المسلمة الجديدة القادرة على مواجهة التحديات، واجتياز العقبات، والنهوض بالأمة إن شاء الله. والمعهد يهب بالباحثين والأساتذة وطلاب الدراسات العليا أن يوجهوا دراساتهم وجهة تجعل منها لبنات أساسية في بناء الأمة الفكري والثقافي والحضاري إن شاء الله تعالى. ويسعدنا أن نتبع هذه الرسالة بمجموعة متيمزة من هذه الرسائل الجامعية الجادة، سائلين العلي القدير أن يهيئ بها لهذه الأمة أمر رشد وأن يثيب معدها وينفع بها قارئيها وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
طه جابر العلواني
[ ٨ ]