وهذا هو أظهر وأشهر ما تميز به الشاطبي عمن سبقوه، من المتكلمين في مقاصد الشريعة. فقد كان السابقون يتناولون الموضوع في إشارت وكلمات، وإذا جمعت، فقد تبلغ بضع صفحات. "أعني للواحد منهم". فلما جاء الشاطبي جعل أكبر أجزاء "الموافقات" هو: "كتاب المقاصد" فأصبحت المقاصد -بهذا- شيئًا ظاهر للعيان، لا يسع أحدًا إغفاله، ولا نسيانه، ولا التقليل من شأنه. بينما كانت من قبل ضامرة خفية، لا يكاد يلتفت إليها إلا كبار العلماء، الراسخون في الشريعة وعلومها. وحتى هؤلاء، فإنما أدركوا ذلك لأنفسهم، واستناروا في علمهم واجتهادهم. ولم يخرجوا للناس -إخراجًا واضحًا صريحًا- إلا مبادئ موجزة، وتنبيهات متفرقة.
[ ٣١٣ ]
وقد تعرض لهذه المسألة أحد أبرز رجال المقاصد، وهو العلامة محمد الطاهر بن عاشور، فذكر نماذج من التعليلات والإشارات المقاصدية التي كان يلقي بها بعض المتقدمين، ولكنها بقيت مغمورة متناثرة، لم تجد من يجمعها ويبرزها، ثم قال: "ولحق بأولئك أفذاذ أحسب أن نفوسهم جاشت بمحاولة هذا الصنيع، مثل عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، المصري الشافعي في قواعده، وشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، المصري المالكي، فيك تابه "الفروق" فلقد حاولا غير مرة تأسيس المقاصد الشرعية. والرجل الفذ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين، هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي. فأنا أقتفي آثاره"١.
وقد قارن الشيخ عبد الله دراز -في تقديمه للموافقات- بين عناية الشاطبي بالمقاصد وعناية سابقيه بها، فلاحظ أن السابقين لم يتجاوزوا الإشارة إليها، في سياق مباحث أخرى، ثم قال: "وهكذا بقي علم الأصول فاقدًا قسمًا عظيمًا حتى هيأ الله ﷾ أبا إسحاق الشاطبي -في القرن الثامن الهجري- لتدارك هذا النقص، وإنشاء هذه العمارة الكبرى"٢.
وإذًا، فالفرق في نظره بين حجم المقاصد عند الأصوليين السابقين، وحجمها عند الشاطبي، هو الفرق بين "الإشارة" و"العمارة".
وبتشبيه آخر -ولكنه يؤدي نفس المعنى- يبين الأستاذ مصطفى الزرقا، الحجم الكبير الذي أعطاه الشاطبي لمقاصد الشريعة، بالنسبة إلى من سبقوه، حيث يقول: "فقد أضاف إلى علم أصول الفقه ومؤلفاته بيانًا إبداعيا في مقاصد الشريعة، وهو الجانب الذي كان حظه من العناية في مؤلفات أصول الفقه قليلًا وضئيلًا، لا يتناسب مع عظيم أهميته في طريق استنباط الأحكام. فقد ألقى الإمام أبو حامد الغزالي قبل ذلك نواة هذا الموضوع في "مستصفاه"٣، ثم قام الشاطبي
_________________
(١) ١ مقاصد الشريعة الإسلامية، ٨. ٢ الموافقات، ١/ ٦. ٣ راجع فصل: فكرة المقاصد عند الأصوليين، لترى موقع الغزالي في سياق الانتباه إلى المقاصد.
[ ٣١٤ ]
باستنبات هذه النواة في "موافقاته" خير الاستنبات، حتى أصبحت حديقة وارفة الظلال"١.
ويرى الدكتور عجيل النشمي أن البحث في المقاصد بدأ على يد الغزالي في "شفاء الغليل" ثم يقول "والذي تمم هذا العلم وفصله، وقعد قواعده هو الإمام الشاطبي. بل إن صنيع الشاطبي، لا يقل أهمية عن صنيع الشافعي، في كتابه "الرسالة"، حيث دون العلم وفتق أبوابه وجمع قواعد الاستنباط"٢.
ويضم الدكتور عمر الجيدي شهادته إلى هذه الشهادات وغيرها، فيؤكد أن الشاطبي ضمن موافقاته "ما لم يسبقه إليه غيره، حتى إنه ليعتبر بحق المؤسس الأول لعلم مقاصد الشريعة". وبعد إشارته إلى إسهامات بعض السابقين قال: "ألا أن الشاطبي توسع في بحثها بطريقة لم يسبق إليها ولا زوحم عليها. فكان بفعله هذا أشبه بما فعله الشافعي بالنسبة لعلم أصول الفقه"٣.
وأهمية هذا الجانب عندي -أعني جانب التوسع الكبير- ليست متوقفة على ما في مضمونه من نفاسة وإبداع، وإنما هي حاصلة في مجرد التوسع وإفراد الموضوع بكتاب كامل٤ يضم مئات الصفحات، كلها اهتمام بمقاصد الشريعة، وتقليب لمواضيعها من مختلف الجوانب والزوايا. فهذا في حد ذاته عمل جديد، وله أهميته البالغة في لفت الانتباه إلى مقاصد الشريعة، والحفز على العناية بها والتفكير فيها. وأظن أن هذا الجانب الكمي الظاهري -في عمل الشاطبي- هو الأكثر إثارة
_________________
(١) وبذر بذورها الأولى. كما يجدر التذكير أن كلام الغزالي في المقاصد جاء في شفاء الغليل قبل المستصفى. ١ من مقدمته لفتاوي الإمام الشاطبي، ٨. ٢ عن مقاله: مقدمات في علم أصول الفقه، المنشور بمجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، الصادرة عن كلية الشريعة بالجامعة الكويتية، العدد ٢، محرم ١٤٠٥ - نوفمبر ١٩٨٤. ٣ التشريع الإسلامي، أصوله ومقاصده، ٢٤٣. ٤ رغم أن كتاب المقاصد هو جزء من أجزاء الموافقات فهو كتاب كامل مستقل في موضوعه وتنظيمه.
[ ٣١٥ ]
وإفادة حتى الآن، على اعتبار أن فئة قليلة من أهل العلم وطلابه هي التي درست "الموافقات" دراسة كاملة مدققة، وأفادت منه تمام الإفادة. وقد أمرنا أن نحكم بالظاهر!
على أن حجم المقاصد عند الشاطبي ليس محصورًا في:"كتاب المقاصد"، بل هي كما رأينا١، حاشرة مهيمنة على كل مباحث وأجزاء "الموافقات"، وعلى غير "الموافقات". وهذه خطوة جديدة تمامًا، على علم أصول الفقه ومؤلفاته. فقد كانت المقاصد نقطة معينة تذكر أو يشار إليها بمناسبة كذا أو كذا من المباحث الأصولية، فأصبحت عند الشاطبي روحًا يسرى في معظم أجزاء هذا العلم، ويتحفز للسريان بقوة ووضوح في علم الفقه وعالمه، وذلك من خلال إدخاله للمقاصد في مجال الاجتهاد الفقهي، سواء أكان اجتهادًا في فهم النص وتفسيره والاستنباط منه، أو كان فيما لا نص فيه على الخصوص. وسأعود إلى هذا الجانب في الفصل اللاحق والأخير بحول الله.
_________________
(١) ١ راجع فصل: أبعاد النظرية.
[ ٣١٦ ]