هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي، الغرناطي، أبو إسحاق، الشهير بالشاطبي "الإمام العلامة المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد"١ إلى نعوت أخرى كثيرة من هذا القبيل.
وبمثلها بصفة مترجموه اللاحقون كالشيخ مخلوف٢، والأستاذ الحجوي٣، وغيرهم، على ما سيأتي.
لم يذكر أحد من مترجميه لا زمان ولادته ولا مكانها. أما سنة ولادته، فقد اجتهد الأستاذ أبو الأجفان في تقديرها. والأمر لا يكتسي أي أهمية.
وأما مكان ولادته -وهو أهم- فقد تحاشى الأستاذ أبو الأجفان التعرض له -ربما لعدم توفر شيء عن الموضوع- حيث قال: "وبغرناطة نشأ الشاطبي وترعرع"٤.
والذي جعلني أتساءل عن مكان ولادته، هو اسمه المشهور "الشاطبي" نسبة إلى "شاطبة"٥، فلم ينسب إليها؟
وعلى كل، فالأظهر أنه ولد بغرناطة. وأما كونه نشأ بها وقضى فيها كل حياته، فأمر لا يذكر غيره؛ فلا تذكر له أسفار ولا رحلات، ولا يذكر هو أيضًا شيئًا من هذا القبيل. بل حتى الرحلة المعتادة للعلماء، ولغيرهم -وهي رحلة الحج- لا نجد لها ذكرًا!
_________________
(١) ١ نيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأحمد التنبكتي السوداني ص٤٦. ٢ شجرة النور الزكية، في طبقات المالكية ص٢٣١. ٣ الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ٤/ ٢٤٨. ٤ فتاوي الإمام الشاطبي: ٣٢. ٥ شاطبة "Sative"، تقع جنوب غرب بلنسية، قريبًا من البحر الأبيض المتوسط، وكانت في العهد الإسلامي عامرة مزدهرة. وإليها ينسب عدد من العلماء "الشاطبيين" وإن كان صاحبنا هو أشهرهم.
[ ٩٠ ]
شيوخ الشاطبي:
ميز الأستاذ أبو الأجفان بين شيوخه الغرناطيين، وشيوخه الوافدين على غرناطة وهو تمييز له فائدته. فمن جهة، يتأكد لنا أن الشاطبي لم يتتلمذ خارج غرناطة. ومن جهة أخرى ينبهنا إلى الجهات التي تلقى منها الشاطبي علومه١، إلى جانب غرناطة نفسها.
فمن شيوخه الغرناطيين:
١- ابن الفخار البيري: وصفه التنبكتي بأنه: الإمام المفتوح عليه في العربية بما لا مطمح فيه لسواه، وذكر أن الشاطبي لازمه إلى أن مات٢. وقرأ عليه بالقراءات السبع في سبع ختمات٣.
٢- أبو جعفر الشقوري: وهو نحوي، وفقيه فرضي.
٣- أبو سعيد بن لب: مفتي غرناطة، وخطيبها، ومدرسها الشهير. وقد كان للشاطبي معه خلافات مشهورة سيأتي ذكر بعضها.
٤- أبو عبد الله البلنسي: مفسر ونحوي.
ومن شيوخه الوافدين على غرناطة:
١- أبو عبد الله، الشريف التلمساني: الإمام المحقق، أعلم أهل وقته٤. وهو صاحب كتاب: "مفتاح الوصول، إلى بناء الفروع على الأصول".
٢- أبو عبد الله المقري "وهو تلمساني أيضًا". صاحب الكتاب الجليل "قواعد الفقه"٥ وغيره.
_________________
(١) ١ ويأتي في مقدمتها تلمسان وفاس. ٢ نيل الابتهاج: ٤٧. ٣ برنامج المجاري: ١١٩ "عن مقدمة أبي الأجفان للفتاوي ص٣٤". ٤ نيل الابتهاج: ٤٧. ٥ حققه الدكتور محمد الدردابي، أطروحة دكتوراه بدار الحديث الحسنية بالرباط.
[ ٩١ ]
٣- أبو القاسم السبتي، وصفة التبكتي بأنه رئيس العلوم اللسانية١.
٤- أبو علي الزواوي: درس ببجاية وتلمسان، وهو شيخ الشاطبي في الأصول. قال الشاطبي: "حدثنا شيخنا الأصولي أبو علي الزواوي"٢. وقال في موضع آخر: "مثل لنا شيخنا الأستاذ العالم أبو علي الزواوي في أثناء القراءة عليه لكتاب ابن الحاجب الفروعي"٣. ونقل الأستاذ أبو الأجفان عن "برنامج المجاري" "ص١١٩"، أنه قرأ عليه المختصر الأصولي أيضًا لابن الحاجب٤.
٥- ابن مرزوق الخطيب "الجد"، وهو تلمساني أيضًا، وصفة الونشريسي بأنه "مالك" زمانه ومكانه٥، ولقبه في موضع آخر بشيخ الإسلام٦. سمع منه الشاطبي موطأ مالك، وصحيح البخاري، بقراءة ابن عبد الله الحفار٧.
ويمكن الاطلاع على أسماء شيوخ آخرين يذكرهم الشاطبي، أو يروي عنهم، وذلك في كتابه "الإفادات والإنشادات".
تلاميذ الشاطبي:
وقد ذكر منهم التنبكتي ثلاثة٨، وهم:
١- أبو يحيى بن عاصم، العلامة الشهيد في ساحة المعركة٩، يوصف بأنه "صاحب الإمام أبي إسحاق الشاطبي ووارث طريقته"١٠.
_________________
(١) ١ نيل الابتهاج: ٤٧. ٢ الإفادات والإنشادات: ١٦٣. ٣ الإفادات والإنشادات: ١٦٩. ٤ الإفادات والإنشادات: ٢٣. ٥ المعيار: ٦/ ٥٧٢. ٦ المعيار: ٧/ ٣١٧. ٧ فتاوي الإمام الشاطبي: ٣٧. ٨ نيل الابتهاج: ٤٩. ٩ انظر ترجمته وقصة استشهاده في "نيل الابتهاج" ٢٨٥. ١٠ نيل الابتهاج: ٢٨٥. وما بعدها.
[ ٩٢ ]
٢- أخوه القاضي الفقيه أبو بكر بن عاصم، صاحب المنظومة الفقهية الشهيرة "تحفة الحكام".
٣- الشيخ الفقيه أبو عبد الله البياني.
وأضاف الأستاذ أبو الأجفان١، إلى هؤلاء الثلاثة تلميذين آخرين هما:
- أبو جعفر القصار، الذي يذكر أن الشاطبي كان أثناء تأليفه لكتاب "الموافقات"، يعرض عليه بعض مسائله، ويباحثه فيها، ثم يدونها.
- وأبو عبد الله المجاري، السالف ذكره أول هذا الفصل.
مؤلفات الشاطبي:
أ- المطبوعة:
لا شك أن أهم ما خلفه الشاطبي من مؤلفات هو كتابه الشهير "الموافقات"٢ ذكر في مقدمته أنه كان قد اختار له اسم "عنوان التعريف بأسرار التكليف" نظرا لما تضمنه من "الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه الشريعة الحنيفية"، ثم عدل عن هذا الاسم إلى اسم "الموافقات" بناء على رؤيا رآها أحد الشيوخ من ذوي الحظوة والاحترام عنده٣.
وقد جعله خمسة أقسام، هي:
- القسم الأول: في المقدمات المحتاج إليها في تمهيد المقصود.
- القسم الثاني٤: في الأحكام وما يتعلق بها من حيث تصورها والحكم بها
_________________
(١) ١ فتاوي الإمام الشاطبي: ٤١. ٢ لست أدري لماذا يتكلف بعض المحدثين الزيادة في عنوان الكتاب؟ فهو في طبعة الشيخ دراز "الموافقات في أصول الشريعة" وفي طبعة محي الدين عبد الحميد "الموافقات في أصول الأحكام"، وكذلك الشأن في الطبعة التي صدرت بإشراف كل من الأستاذ محمد الخضر التونسي والشيخ حسنين مخلوف. مع أنه لا يذكر عند صاحبه ولا في المصادر القديمة إلا باسم الموافقات فقط. ٣ الموافقات: ١/ ٢٤. ٤ هو والقسم الأول، يدمجان في الجزء الأول من الكتاب مطبوعًا. والقسم الثالث "كتاب المقاصد" هو الجزء الثاني، وهكذا.
[ ٩٣ ]
أو عليها، كانت من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف.
- القسم الثالث: في المقاصد الشرعية وما يتعلق بها من الأحكام.
- القسم الرابع: في حصر الأدلة الشرعية١، وبيان ما ينضاف إلى ذلك فيها على الجملة وعلى التفصيل، وذكر مآخذها وعلى أي وجه يحكم بها على أفعال المكلفين.
- القسم الخامس: في أحكام الاجتهاد والتقليد والمتصفين بكل واحد منهما، وما يتعلق بذلك من التعارض والترجيح، والسؤال والجواب.
وقد حظي كتاب الموافقات، بالتقدير الكبير، والعناية الفائقة، قديمًا وحديثًا، وإن لم يأخذ مكانته الحقيقية إلا حديثًا، وما زال يسمو يومًا بعد يوم.
فقديمًا، ومنذ عصر الشاطبي، قام تلميذه أبو بكر بن عاصم بتلخيصه، وسمي تلخيصه "المنى في اختصار الموافقات" وقام تلميذ آخر له بنظمه، وسمي منظومته: "نيل المنى من الموافقات"٢.
وقد وصفه أحمد بابا التنبكتي بأنه: جليل القدر جدا، لا نظير له. يدل على إمامته وبعد شأوه في العلوم، سيما علم الأصول٣".
وقد طبع وصدر في مطلع القرن الهجري الماضي بتونس "صدر سنة ١٣٠٢هـ". وعلى إثر ذلك قام الشيخ ماء العينين بن مامين بنظمه. وسمي منظومته
_________________
(١) ١ اقتصر في تناوله للأدلة الشرعية على الكتاب والسنة؛ قال بعد انتهائه من: "الطرف الأول: في الأدلة على الجملة"، قال: الطرف الثاني: في الأدلة على التفصيل، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والرأي. ولما كان الكتاب والسنة هما الأصل لما سواهما اقتصرنا على النظر فيها" الموافقات: ٣/ ٣٤٥. هذا مع العلم أنه صرح في الجزء الأول بما يفيد أنه يستناول القياس. فقد قال -وهو يتحدث عن علاقة العقل بالنص-: "وهذا مبين في موضعه من كتاب القياس" "الموافقات": ١/ ٨٩. وأكد هذا العزم في الجزء الثاني حيث جاء "ولعله يشار إليه في كتاب القياس إن شاء الله" ٢/ ٣٩٢. ٢ انظر: فتاوي الإمام الشاطبي: ٤٧، وقد نقل الأستاذ أبو الأجفان أن هذه المنظومة ما زالت موجودة بمكتبة دبر الأسكريال بإسبانيا برقم ١١٦٤. ٣ نيل الابتهاج: ٤٨.
[ ٩٤ ]
"موافق الموافقات" ثم شرح المنظومة وسمي الشرح "المرافق على الموافق". وطبع هذا الشرح وصدر بفاس عام ١٣٢٤هـ.
الاعتصام: في جزئين، وهو في البدع والمحدثات. عالج موضوعه بمنهاج أصولي رصين، وضمنه مباحث نفيسة في أصول الفقه كمبحث المصالح المرسلة والاستحسان١. وقد نشره لأول مرة الشيخ محمد رشيد رضا، وقدم له، وراجع نصوصه. وهي مراجعة مستعجلة غير كافية. وقد ذكر في نهايته أنه لم يتمه.
الإفادات والإنشادات٢: "فيه طرف وتحف وملح أدبية وإنشادات" وقد حققه -كما تقدم- الأستاذ أبو الأجفان، وصدر منذ بضع سنوات.
هذا كل ما هو مطبوع ومعروف اليوم من مؤلفات الشاطبي. أما "فتاوي الإمام الشاطبي" التي جمعها وحققها الأستاذ محمد أبو الأجفان، فليست مؤلفًا للشاطبي، وإنما هي فتاوٍ متفرقة أجاب بها الشاطبي سائليه، وسجلت هنا وهناك من كتب النوازل، وفي مقدمتها معيار الونشريسي.
ب- غير المطبوعة:
أما كتبه غير المطبوعة، فأكثرها لا يذكر له اليوم وجود.
ولعل أهمها هو: "كتاب المجالس" الذي شرح فيه كتاب البيوع من صحيح البخاري. وأهمية هذا الكتاب تتجلى فيما قاله عنه صاحب "نيل الابتهاج": "فيه من الفوائد والتحقيقات ما لا يعلمه إلا الله". وتتجلى أيضًا في كونه الكتاب الوحيد الذي يذكر للشاطبي في الفقه. ومن هنا أظن أن منزلته ستكون مباشرة بعد منزلة "الموافقات"؛ فهذا في الأصول ومقاصد الشريعة، والآخر في التطبيق الفقهي.
_________________
(١) ١ الاعتصام: ٢/ ١١١- ١٥٠. ٢ وردت تسميته غلطًا "الإشارات والإفادات" في "نفح الطيب" بتحقيق الدكتور إحسان عباس: ٧/ ٢٧٩.
[ ٩٥ ]
وقد بحثت، وسألت عنه عددًا من الخبراء في المخطوطات فلم أجد عندهم شيئًا عنه. وأرجو -مع ذلك- أن يقيض الله له من فرسان هذا الميدان من يكشف عنه، ويخرجه للمسلمين، ولطلاب العلم خاصة.
على أن الشاطبي نفسه، لم يذكره نهائيا في كل ما هو منشور له الحد الآن. وهذا يفيد أنه ربما كتبه في أواخر عمره. وهناك احتمال آخر معاكس، وهو أن يكون ألفه في وقت مبكر من حياته١، ثم أتلفه مثلما أتلف غيره. فقد ذكر التنبكتي ضمن مؤلفاته: "عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق" وكتاب "أصول النحو" ثم قال: "وقد ذكرهما معًا في شرح الألفية، ورأيت في موضع آخر أنه أتلف الأول في حياته وأن الثاني أتلف أيضًا"٢.
وشرح الألفية، الذي يشير إليه التنبكتي، وهو أيضًا في النحو، فهو شرح لألفية ابن مالك المعروفة. وقد ذكر الأستاذ أبو الأجفان أن نسخة خطية منه، توجد بالخزانة الملكية بالرباط برقم ٢٧٦. وأن مركز البحوث بجامعة أم القرى بمكة يقوم بتحقيقه ونشره٣.
"شرحه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار. لم يؤلف عليها مثله بحثًا وتحقيقًا فيما أعلم"٤.
وقد ختم التنبكتي كلامه عن مؤلفات الشاطبي بقوله: "وله غيرها، وفتاوي كثيرة"٥. وهذا يفتح باب التساؤل عن هذه المؤلفات الأخرى التي لم يذكرها
على أن الشاطبي قد ذكر في "الاعتصام" أنه يعتزم تأليف كتاب في بيان حقيقة التصوف وكيف كان أئمته المتقدمون. قال: "وفي غرضي -إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله ويسر لي الأسباب- أن ألخص في طريقة القوم أنموذجًا
_________________
(١) ١ وإن كانت شهادة التنبكتي له توحي بخلاف هذا. ٢ نيل الابتهاج: ٤٩. ٣ الإفادات والإنشادات: ٢٨. ٤ نيل الابتهاج: ٤٨. ٥ نيل الابتهاج: ٤٩.
[ ٩٦ ]
يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما داخلتها المفاسد، وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم، عن عهد ذلك السلف الصالح، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها"١.
وفي موضع آخر من "الاعتصام" عبر عن عزم أقوى وأوضح على تأليف هذا الكتاب فقال: "وإن فسح الله في المدة، وأعان بفضله، بسطنا الكلام في هذا الباب، في كتاب "مذهب أهل التصوف" وبينا ما أدخل فيه مما ليس بطريق لهم"٢.
وإذا علمنا أنه -﵀- لم يتم كتاب "الاعتصام" نفسه، لم يبق أمامنا إلا أن نتساءل: هل عاجلته المنية قبل تأليف هذا الكتاب؟ أم يكون ألفه وهو يؤلف الاعتصام؟ أم يكون جمع مادته، أو شرع فيه دون أن يتمكن من إتمامه؟
وأخيرًا: فلا خلاف أن وفاته -﵀- كانت عام تسعين وسبعمائة "سنة ١٣٨٨ ميلادية" ونص التنبكتي أنها كانت في شعبان٣.
_________________
(١) ١ الاعتصام: ١/ ٩٠. ٢ الاعتصام: ١/ ٢١٩. ٣ نيل الابتهاج: ٤٩.
[ ٩٧ ]