وهذا جانب آخر من جوانب الإلهام والإبداع في نظرية الشاطبي، ذلك أن "مقاصد الشارع" لا تتم ولا تتحقق إلا بتصحيح "مقاصد المكلف". فكان من شدة عناية الشاطبي بمقاصد الشارع أن اهتدى لتتويج الكلام فيها بالكلام في مقاصد المكلفين. وهذا أمر جديد تمام الجدة في الموضوع، أعني إلحاق الكلام في مقاصد المكلفين بالكلام في مقاصد الشريعة، وربط هذا بذاك، وبيان ما بينهما من تلازم وتكامل.
ولقد تكلم العلماء -علماء التوحيد، وعلماء التربية، "أو التخلق"، وعلماء الفقه- تكلموا في هذا الموضوع تحت باب النية، واعتنوا به العناية اللازمة، حتى قال ابن أبي جمرة، الأندلسي المالكي "وددت لو كان من الفقهاء من ليس له شغل،
[ ٣١٦ ]
إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك"١.
ولا شك أن الشاطبي قد استفاد مما كتبه العلماء في موضوع النيات والمقاصد، وبنى عليه.
ولكنه مدين في هذا -على وجه الخصوص- لمذهبه المالكي، الذي لم يقف عند حد العناية بمقاصد المكلفين فيما يسمى بالعبادات، ولكنه أولى العناية البالغة لمقاصد المكلفين في جميع أقوالهم وأفعالهم وعقودهم وتصرفاتهم، وقد سبق أن بينت هذا في موضعه بما يكفي.
ومع هذا وذاك، فإن الشاطبي كان مجددًا متفردًا، في ربطه بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، ودمج بعضها مع بعض في كتاب المقاصد الشرعية، وفي تناوله لمقاصد المكلف من خلال النظر إلى مقاصد الشارع.
_________________
(١) ١ أورد هذا النص الدكتور عمر سليمان الأشقر في كتاب مقاصد المكلفين، ص٩٧.
[ ٣١٧ ]