مباحث السبب عند الشاطبي هي أطول مباحث الأحكام الوضعية، بل هي أطول مباحث الأحكام عمومًا، تكليفية ووضعية. كما أنها الأكثر تأثرًا واصطباغا بصبغة المقاصد.
وتكاد هذه المباحث تنحصر في علاقة الأسباب بمسبباتها. ومن هنا جاءت تسميتي لهذه الفقرة.
[ ١٧٠ ]
وأما ارتباطها بالمقاصد، فهو من حيث قصد الشارع، وقد المكلف، في الأسباب والمسببات، غير أن ارتباطها بمقاصد المكلف أكثر.
وقيل التطرق إلى ما يهمنا من الموضوع، أشير إلى أن الشاطبي، وإن كان قد قسم الأسباب -وسائر الأحكام الوضعية- إلى ما هو مقدور للمكلف، وإلى ما ليس في مقدوره، فإنه ركز في "مسائله" الثلاث عشرة -المخصصة للأسباب- على الأسباب المقدورة للمكلفين.
ومن هذه الأسباب التي تتركز حولها مسائله وتقريراته:
الكسب "من بيع وشراء، وزراعة، واحتراف" باعتباره سببًا في إقامة الحياة، وسببًا في صحة الأملاك، وسببًا في حلية الاستمتاع.
النكاح، باعتباره سببًا في حلية استمتاع الزوجين أحدهما بالآخر، وسببًا في التناسل، وسببًا للتوارث بينهما، وسببًا في حرمة المصاهرة.
وكما بنى تقريراته وقواعده على مثل هذه الأسباب المشروعة، فإنه بنى ذلك أيضًا على الأسباب الممنوعة، مثل القتل، والزنى، والغصب. فكل هذه أسباب يترتب عنها كثير من الأحكام والآثار، أي: المسببات.
وأنتقل إلى القواعد والأحكام، التي قررها بمقتضى النظر المقاصدي:
فمن ذلك أن الشارع بوضعه للأسباب، يكون قاصدًا إلى مسبباتها، وبتعبيره هو: "وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع إلى المسببات، أعني الشارع١ وذلك لأنه لا يعقل أن يضع الأسباب، دون أن يقصد نتائجها.
وقد تقرر في المقاصد "أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد، وهي مسبباتها قطعًا. فإذا كنا نعلم أن الأسباب إنما شرعت لأجل المسببات، لزم من القصد إلى الأسباب، القصد إلى المسببات"٢. فمشروعية الأسباب تدلنا على قصد الشارع إلى مسبباتها "نتائجها".
_________________
(١) ١ المسألة الرابعة: الموافقات ١/ ١٩٤. ٢ الموافقات: ١/ ١٩٥.
[ ١٧١ ]
وهذه القاعدة تفيدنا جدا، في موضوع سيأتي التفصيل فيه، إن شاء الله، وهو "بماذا تعرف مقاصد الشارع؟ "١.
غير أنه -ونحن في مسائل الأسباب- من الضروري أن نصل بين هذه المسألة "الرابعة"، وبين مسألتين أخريين تأخرتا عنها كثيرًا، وكان ينبغي اتباعها بهما، وهما المسألتان الثانية عشرة والثالثة عشرة٢. لأن مضمونهما فيه تفصيل وتقييد لما اتسمت به هذه المسألة من إجمال وإطلاق.
فالذي قد يفهم من المسألة الرابعة، هو أن كل ما يترتب عن الأسباب من مسببات، فهو مقصود لواضع الأسباب، وهو الله سبحانه. وهذا تعميم خطيرًا.
وأما في المسألتين المشار إليهما، فنجد أن: "المسببات -بالنظر إلى أسبابها- ضربان:
أحدهما: ما شرعت الأسباب لها، إما بالقصد الأول -وهي متعلق المقاصد الأصلية، أو المقاصد الأول أيضًا- وإما بالقصد الثاني، وهي متعلق المقاصد التابعة، وكلا الضربين٣ مبين في كتاب المقاصد٤.
والثاني: ما سوى ذلك، مما يعلم أو يظن أن الأسباب لم تشرع لها، أو لا يعلم ولا يظن أنها شرعت لها أو لنم تشرع لها. فتجيء الأقسام ثلاثة٥.
فلأقسام الثلاثة إذًا هي:
١- المسببات التي عرفنا أن الأسباب شرعت لأجلها.
٢- المسببات التي عرفنا أن الأسباب لم تشرع لها.
٣- المسببات التي لم نعرف إن كانت الأسباب شرعت لها أم لا.
_________________
(١) ١ الفصل الثالث من الباب الثالث. فضم ما هنا إليهما سيأتي هناك، حتى لا أقع في التكرار. ٢ الموافقات: ١/ ٢٤٣ إلى ٢٥٨. ٣ أي المقاصد الأصلية والمقاصد التبعية، وهما معا داخلان في الضرب الأول من المسببات، وهي التي شرعت الأسباب لأجلها. ٤ انظر المسألة الثانية من النوع الرابع، أو راجع في ذلك الفصل السابق من هذا البحث. ٥ الموافقات: ١/ ٢٤٣-٢٤٤.
[ ١٧٢ ]
وظاهر أن ما قرره وأطلقه في المسألة الرابعة إنما يصدق على القسم الأول من هذه الأقسام الثلاثة.
أما القسمان الآخران من المسببات، فلهما شأن آخر.
فالقسم الأول من المسببات غير مقصود للشارع، والقسم الثالث ينبغي فيه التوقف والبحث. فإما أن يظهر قصد الشارع فيه، وإما أن نبقى على التوقف١.
وكون الشارع قاصدًا بالأسباب إلى المسببات، لا يعني أن هذه المسببات داخلة تحت التكليف. فالمكلف مطالب بالأسباب لا بالمسببات. ولهذا فهو حين يتعاطى الأسباب "المشروعة طبعًا"، ليس ملزمًا بالقصد إلى مسباباتها. وهذا ما قرره في المسألة الثالثة: "وهي أنه لا يلزم في تعاطي الأسباب من جهة المكلف، الالتفات إلى المسببات ولا القصد إليها، بل المقصود منه الجريان تحت الأحكام الموضوعة لا غير، أسبابًا كانت أو غير أسباب، معللة كانت أو غير معللة٢، أي أن المكلف يكفيه أن يأتي بالأسباب على وجهها الصحيح المشروع، وليس مكلفًا بالقصد إلى مسبباتها، لأنه غير مكلف بالمسببات "النتائج".
فالله تعالى هو الذي يتولى أمر المسببات، ويرتبها على أسبابها. "فإذا: قصد الشارع لوقوع المسببات لا ارتباط له بالقصد التكليفي، فلا يلزم قصد المكلف إليه، إلا أن يدل على ذلك دليل، ولا دليل عليه٣ "فليس في الشرع دليل ناص على طلب القصد إلى المسبب"٤.
ومرة أخرى فإن هذا الإطلاق، يدعو إلى التوقف والتأمل، فقد قرر في كتاب المقاصد "مقاصد المكلف" أن "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع"٥ فهذا يقتضي أن يقصد المكلف بالأسباب، ما
_________________
(١) ١ وانظر في ذلك الموافقات ٢/ ٣٩٤-٣٩٦. ٢ الموافقات: ١/ ١٩٣. ٣ الموافقات: ١/ ١٩٧-١٩٨. ٤ الموافقات: ١/ ١٩٧. ٥ الموافقات: ٢/ ٣٣١.
[ ١٧٣ ]
شرعت لأجله من المسببات. فالقصد إلى المسببات، وعلى وفق ما قصده الشارع بها، مطلوب -إذًا- من فاعل الأسباب، بينما الذي سبق تقريره أن المكلف غير ملزم بهذا؟!
والشاطبي لم يكن غافلا عن هذا "التناقض" بين ما قرره في كتاب الأحكام وما قرره في كتاب المقاصد. ولهذا نجده في كتاب الأحكام يرود على نفسه الاعتراض بما في كتاب المقاصد "على طريقة الفنفلة: فإن قيل"، كما نجده، بعد أن قرر ما قرره في كتاب المقاصد يقول: "فصل: وإذا حققنا تفصيل المقاصد بالنسبة إلى المكلف، وجدناها ترجع إلى ما ذكر في كتاب الأحكام، وفي مسألة دخول المكلف في الأسباب١، إذ مر هنالك خمسة أوجه منها يؤخذ القصد الموافق والمخالف. فعلى الناظر هنا مراجعة ذلك الموضع، حتى يتبين له ما أراد إن شاء الله٢.
والمسألة التي يحيلنا عليها -وهي المسألة السادسة من مسائل الأحكام الوضعية- مبنية على التي قبلها، وهي التي افتتحها بقوله: "إذا ثبت أنه لا يلزم القصد إلى المسبب، فللمكلف ترك القصد إليه بإطلاق، وله القصد إليه٣ فلما انتهى من إثبات الخيرة للمكلف، في القصد أو عدمه إلى المسببات، انتقل إلى المسألة التي أحالنا عليها، حيث قال في مطلعها: "إذا تقرر ما تقدم٤، فلدخول في الأسباب مراتب تتفرع على القسمين.
فالالتفات إلى المسببات له ثلاث مراتب٥.
_________________
(١) ١ هي المسألة السادسة من مسائل الأحكام الوضعية. وقد غلط المرحوم عبد الله دراز، فأحالنا على المسألة السادسة من النوع الرابع من كتاب المقاصد، بينما إشارة الشاطبي إلى ما قدمت. ٢ الموافقات: ٢/ ٣٣٢. ٣ الموافقات: ١/ ١٩٦. ٤ وهو أن المكلف له الخيرة في الالتفات أو عدم الالتفات إلى المسببات حين دخوله في الأسباب. ٥ الموافقات: ١/ ٢٠١.
[ ١٧٤ ]
وملخصها ما يلي:
١- أن يدخل في الأسباب، وفي اعتقاده أنه الفاعل المؤثر، وأنه صانع المسببات، أو أن المسببات لازمة من أسبابها ضرورة لزومًا ذاتيا "وهذا شرك، أو مضاه"١ فهذا -بطبيعة الحال- لا يجوز اعتقاده أبدًا.
٢- أن يدخل في الأسباب على أساس أنها عادة تفضي إلى مسببات معينة، وإن هذه طبيعة الأشياء التي عليها خلقت. وهذه المرتبة، عليها عامة الناس، ولا بأس بها، وإن كانت مفضولة بالمرتبة الثالثة، هي:
٣- أن يدخل في الأسباب، على أساس أن الله تعالى هو الذي ينتج عنها مسبباتها إن شاء، ويعطلها إن شاء. وهذه المرتبة أفضل من سابقتها، لأن السابقة يغلب فيها اعتبار العادة، والركون إليها مما ينتج، الغفلة عن المسبب الحقيقي وهو الله تعالى.
فهذه مراتب الالتفات والقصد إلى المسببات.
وأما ترك ذلك، فله أيضًا ثلاث مراتب٢.
١- أن يدخل في الأسباب على أنها ابتلاء للعباد. فهو مكلف بها ابتلاء من الله وامتحانًا له كيف يعمل، ولا يهمه أكثر من هذا.
٢- أن يدخل في الأسباب ويتصرف فيها على أساس أنه عبد الله، فهو قائم بمقتضى العبودية، لا يهمه سبب، ولا مسبب، ولا سببية. فهو عبد لله، يجري على ما أراد مولاه.
٣- الدخول في الأسباب، على أنها أسباب مشروعة ومأذون فيها شرعًا، وعلى أن لها مسببات يجريها خالقها، سبحانه، إن شاء. وعلى أنها ابتلاء وتمحيص
_________________
(١) ١ الموافقات: ١/ ٢٠١. ٢ ومعنى هذا أن مجموع المراتب ست. ونلاحظ أنه عندما أحالنا على هذه الأوجه -على ما تقدم قبل قليل- ذكر أنها خمسة. وهذا إما خطأ دخل على الكلمة، وإما لأنه لم يعد الوجه الأخير "السادس" لأنه يتكون من الأوجه السابقة له، كما سيأتي.
[ ١٧٥ ]
للمكلفين، "فصار هذا القصد شاملا لجميع ما تقدم. لأنه توخى قصد الشارع من غير نظر في غيره. وقد علم قصده في تلك الأمور، فحصل له كل ما في ذلك التسبب ما علم ومما لم يعلم، فهو طالب للمسبب من طريق السبب، وعالم بأن الله هو المسبب، وهو المبتلي، ومتحقق في صدق التوجه به إليه. فقصده مطلق وإن دخل فيه قصد المسبب. لكن ذلك كله منزه عن الأغيار، مصفى من الأكدار١.
وحيث إن الشاطبي جعل هذه المرتبة جامعة لمحاسن المراتب الخمس السابقة، ومنزلة عما في بعضها من "الأغيار والأكدار"، مع أنها تتضمن قصد المكلف للمسببات، فمعنى هذا أنها المرتبة المفضلة لديه.
وهذا يدلنا على أنه إنما جعل للمكلف الخيرة في الالتفات إلى المسببات أو عدمه، مع التسوية التامة بين الأمرين، لأجل ما قد يقع في الالتفات إلى المسببات والتعلق بها من "الأغيار والأكدار". ولأجل هذا امتدح كل مراتب عدم الالتفات إلى المسببات، ولم يمتدح من مراتب الالتفات إليها إلا المرتبة الثالثة. وذلك أن المرتبة الأولى فيها كفر بالله، وفي المرتبة الثانية غفلة عن الله. وهذا ما يعنيه بالأغيار والأكدار. فإذا تبرأ قصد المكلف منها، صار التفاته وقصده إلى المسببات أولى من عدمه. وبهذا نخرج من "التناقض"، ونصل إلى التوافق مع ما قرره في كتاب المقاصد من أن قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع، كما تقدم قريبًا.
وهذا الاحتياط من وقوع المكلف في الأغيار والأكدار، هو الذي جعل الشاطبي يعود إلى الموضوع بعد المسألة التاسعة. ليلحق بها خمسة "فصول"٢ رجح فيها للمكلف عدم الالفتات إلى المسببات وتفويض أمرها إلى الله ﷿: "لأن الفاعل للسبب عالمًا بأن السبب ليس إليه، إذا وكله إلى فاعله وصرف نظره عنه، كان أقرب إلى الإخلاص والتفويض والتوكل على الله تعالى، والصبر على
_________________
(١) ١ الموافقات: ١/ ٢٠٥. ٢ الموافقات: ١/ ٢١٩ إلى ٢٢٧.
[ ١٧٦ ]
الدخول في الأسباب المأمور بها، والخروج عن الأسباب المخظورة، والشكر، وغير ذلك من المقامات السنية والأحوال المرضية١.
وذلك أن التعلق بالمسببات، قد ينسينا المسبب الحقيقي، أو ينسينا شكره على ما أعطي من نتائج وثمرات، وقد يكون مرهقًا لصاحبه، لشدة همه وفرث حرصه على المسببات، وخوفه من عدم حصولها، أو حزنه لعدم مجيئها على ما يؤمل.
وكل هذه أكدار وأغيار تبعد المكلف عن "المقامات" السنية والأحوال المرضية.
فإذا تخلص الإنسان من هذه الآفات، واعتدال في التفاته إلى المسببات، واستحضر أن أمرها بيد الله، وصار بتسببه كأنما "يطلب من المسبب٢ مقتضى السبب، فكأنه يسأل المسبب باسطًا يد السبب، كما يسأله الشيء باسطًا يد الضراعة٣، فقد خرج عن التعلق المذموم بالمسببات، لأن منبع هذه الآفات هو "طلب المسبب من نفس السبب"، والاعتقاد "أن السبب هو المولد للمسبب. فهذا المخوف الذي هو حر بتلك المفاسد المذكورة٤.
وكأني بالشاطبي لما اطمأن إلى أنه قد نبه التنبيه الكافي على الآفات التي تنتج عن التعلق المبالغ فيه بالمسببات، عاد إلى ترجيح الكفة الأخرى -ولعلها هي الأصل عنده- وإلى بيان مزاياها وفوائدها، وأعني بها: الالتفات إلى المسببات عند تعاطي أسبابها. ومن ذلك:
١- أن المكلف يكون -بالتفاته إلى المسببات- على بال من النتائج التي يفضي إليها تسببه، سواء كانت حسنة، أو سيئة. وهذا نوع من اعتبار مآلات الأفعال،
_________________
(١) ١ الموافقات: ١/ ٢١٩. ٢ وهو الله تعالى. ٣ الموافقات: ١/ ٢٢٧. ٤ الموافقات: ١/ ٢٢٧.
[ ١٧٧ ]
وهو أصل مسلم في الشريعة. وقد نص في القرآن على أن ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ١ وجاء في الحديث: "ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، لأنه أول من سن القتل" ٢، وفي الحديث أيضًا: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يظن أنها تبلغ ما بلغت، يرفعه الله بها في الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفًا" ٣ والحديث مشهور في: "من سن في الإسلام سنة" ٤.
وهذه كلها نصوص تدل على طلب الالتفات إلى المسببات٥، وأخذها بعين الاعتبار حين الدخول في الأسباب.
وقد نقل كلامًا طويلًا للغزالي في هذا الصدد٦، وفي ضمنه الاستدلال بنصوص أخرى من القرآن الكريم، ثم عقب بقوله: "فإذا نظر المتسبب إلى مآلات الأسباب، فربما كان باعثًا له على التحرز من أمثال هذه الأشياء٧.
٢- "أن الله ﷿ جعل المسببات في العادة على وزان الأسباب في الاستقامة والاعوجاج. فإذا كان السبب تاما، والتسبب على ما ينبغي، كان المسبب كذلك. والضد.
ومن هنا: إذا وقع خلل في المسبب نظر الفقهاء إلى التسبب: هل كان على تمامه أم لا؟ فإن كان على تمامه، لم يقع على المتسبب لوم، وإن لم يكن على تمامه،
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٣٢. ٢ رواه في التيسير عن الخمسة إلا أبا داود "عبد الله دراز - هامش الموافقات ١/ ١٤٠". ٣ رواه مالك والترمذي، وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد "دراز: ١/ ٢٢٨". ٤ رواه مسلم والنسائي، كما في التيسير "دراز: ١/ ١٤٠". ٥ تقدم عن الشاطبي أنه ليس هناك دليل على أن المكلف ملزم بالقصد إلى مسببات الأسباب. ولست أدري ما رأيه في هذه النصوص التي أوردها بنفسه! ٦ الموافقات: ١/ ٢٢٨-٢٣٠. ٧ الموافقات: ١/ ٢٣٠.
[ ١٧٨ ]
رجع اللوم والمؤاخذة عليه. ألا ترى أنهم يضمنون الطبيب والحجام والطباخ، وغيرهم من الصناع، إذا ثبت التفريط من أحدهم، أما بكونه غر من نفسه، وليس بصانع، وأما بتفريط، بخلاف ما إذا لم يفرط، فإنه لا ضمان عليه.
فمن التفت إلى المسببات من حيث كانت علامة على الأسباب في الصحة أو الفساد، لا من جهة أخرى١، فقد حصل على قانون عظيم يضبط به جريان الأسباب على وزان ما شرع أو على خلاف ذلك. ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع، دليلا على ما في الباطن. فإن كان الظاهر منخرمًا، حكم على الباطن بذلك. أو مستقيمًا حكم على الباطن بذلك أيضًا. وهو أصل عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات. بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جعله الشريعة جدا. بل هو كلية التشريع، وعمدة التكليف، بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية، الخاصة والعامة٢.
وأخيرًا، فإن الشاطبي -كما أشرت من قبل- لم يغفل عن كونه وجه المسألة وجهتين مختلفتين -إن لم نقل متناقضتين- تقتضي أولاهما صرف النظر والقصد عن المسببات، وتقتضي الثانية الالتفات إليها وإدخالها في الاعتبار، عند ممارسة الأسباب. بل لقد أورد على نفسه السؤال والاستشكال: "فإن قيل".
وللخروج من تعارض الوجهين، وضع ضابطًا للتميز بين الحالات التي ينبغي فيها الالتفات إلى المسببات، لما في ذلك من المصلحة، والحالات التي لا ينبغي فيها ذلك، لما فيه من المفسدة. فقال: "إن كان الالتفات إلى المسبب من شأنه التقوية للسبب، والتكملة له، والتحريض على المبالغة في إكماله، فهو السبب الذي يجب المصلحة، وإن كان من شأنه أن يكر على السبب بالإبطال، أو بالإضعاف، أو بالتهاون به، فهو الذي يجلب المفسدة٣.
_________________
(١) ١ يشير إلى الأوجه المذمومة في الالتفات إلى المسببات، وهي التي تقدم الكلام عنها، ووصفها بأنها "أغيار وأكدار". ٢ الموافقات: ١/ ٢٣٢-٢٣٣. ٣ الموافقات: ١/ ٢٣٤.
[ ١٧٩ ]
وتفصيل هذا هو ما تقدم، إلى تفصيلات أخرى تلت هذه القاعدة والذي يهمنا هو أن القاعدة إلى نظر مصلحي مقاصدي واضح؛ فما يخدم المصالح والمقاصد فهو مطلوب مقصود. وما يضر بها فهو مذموم مردود.
[ ١٨٠ ]