وهذا أيضًا من المباحث الحديدة تمامًا عند الشاطبي، وبقدر ما في هذا الموضوع من جدة، بقدر ما له من الأهمية والخطورة؛ لأن كل كلام في المقاصد، وكل توسع في بحثها، وكل اكتشاف جديد لكلياتها، كل هذا متوقف على إيجاد وضبط المنهاج الصحيح لمعرفة مقاصد الشارع. ومن هنا ندرك أي خدمة جليلة قدمها الشاطبي، عندما فتح هذا الموضوع. وعندي أن فتح الشاطبي للموضوع، وفي مبحث خاص، أهم مما قاله فيه، على أهميته. وتناوله لهذا الموضوع في مبحث خاص، يشبه إلى حد كبير، تناوله لموضوع المقاصد في كتاب خاص. وما بثه حول كيفية تعرف مقاصد الشارع، في مختلف المناسبات، شبيه أيضًا بما بثه من الآراء والتنبيهات المقاصدية، في غير كتاب المقاصد.
_________________
(١) ١ راجع الفصل المخصص لهذا الموضوع، في الباب الثالث.
[ ٣١٧ ]
ولئن كان الشاطبي في إفراده المقاصد بكتاب خاص، إنما طور الموضوع، ونقله نقلة بعيدة عما كان عليه، فإنه في إفراده لموضوع "كيف تعرف مقاصد الشارع" بمبحث خاص، ووضعه ضمن مباحث المقاصد، كان مبدعًا غاية الإبداع، ومجددًا بأوسع معاني التجديد. وهو بهذا المبحث -أكثر من أي مبحث آخر- قد فتح للعلماء، الباب الحقيقي لولوج عالم المقاصد واستخراج كنوزه وخفاياه.
وعلى كل، فالموضوع ما زال بحاجة إلى مزيد بحث، وإلى توسيع وضبط. وقد رأينا أنه قد حظي -بعد الشاطبي- باهتمام الشيخ ابن عاشور، فقدم فيه تنبيهات جديدة، وأمثلة جديدة. وقد أحسن الدكتور عبد المجيد النجار، في كتابته مقالًا خاصا في الموضوع "وقد تقدم ذكره".
[ ٣١٨ ]