ومعلوم أن الشارع قد يسكت عن أمور، وعن أحكام، لعدم توفر أسبابها ونوازلها، وهو ما فتح لأجله باب الاجتهاد والقياس، فهذا ليس هو المقصود هنا.
وإنما المقصود هنا: سكوت الشارع عن إعطاء حكم، أو وضع تشريع، مع أن "موجبه المقتضي قائم، فلم يقرر فيه حكم، عند نزول النازلة، زائد على ما كان في ذلك الزمان، فهذا الضرب، السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا
[ ٢٨١ ]
يزاد فيه ولا ينقص، لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا، ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه، كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لما قصده الشارع، إذا فهم من قصده: الوقوف عندما حد هنالك، لا الزيادة عليه ولا النقصان منه١.
وواضح أن هذا المسلك من مسالك معرفة المقاصد، يتعلق -بصفة خاصة-بمجال العبادات. وبصفة أخص بمجال الابتداع في الدين وعباداته. حيث إنه بتنصيصه على هذه القاعدة، إنما يريد ضرب البدع، وإغلاق الباب أمام زحفها على العبادات وحدودها وسننها.
وقد اتكأ على هذه القاعدة، وهو يتصدى للبدع وللمبتدعة في كتابه "الاعتصام"، وذلك عند رده المطول على شيخه أبي سعيد بن لب٢، حيث أعاد هناك٣ ما قاله في "الموافقات" بنصه تقريبًا.
وواضح أيضًا، أن هذا المسلك أضيق مجالًا، بالنسبة للمسالك الأخرى، ولهذا فهو أقلها أهمية. ومن هنا أهمله الشيخ ابن عاشور، فلم يقل به، بل لم يذكره حتى عندما لخص كلام الشاطبي في طرق معرفة المقاصد. وهذا نص تلخيصه أورده -لوجازته- "إن مقصد الشارع يعرف من جهات: إحداها: مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي، فإن الأمر كان أمرًا لاقتضائه الفعل. فوقوع الفعل عنده مقصود للشارع. وكذلك النهي في اقتضاء الكف. الثانية: اعتبار علل الأمر والنهي، كالنكاح لمصلحة التناسل. والبيع لمصلحة الانتفاع بالمبيع، الثالثة: أن للشارع في شرع الأحكام مقاصد أصلية ومقاصد تابعة. فمنها منصوص عليه. ومنها مشار إليه، ومنها ما استقري من المنصوص فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما ذلك شأنه هو مقصود للشارع انتهى حاصل كلامه"٤.
_________________
(١) ١ الموافقات، ٢/ ٤١٠. ٢ راجع الفصل الأول من الباب الثاني. ٣ الاعتصام، ٢/ ٣٦٠ وما بعدها. ٤ مقاصد الشريعة الإسلامية، ١٩.
[ ٢٨٢ ]
ولا أظن أن عدم ذكره للمسلك الرابع، أو الجهة الرابعة -حسب لفظ الشاطبي- إنما هو لعدم انتباهه إليه، نظرًا لتأخره في كلام الشاطبي، كما ظن ذلك الدكتور عبد المجيد النجار١. فهذا احتمال بعيد، خاصة وأن الشيخ ابن عاشور كان بصدد التأليف في المقاصد، بل كان يكتب في المسألة نفسها، وهي: "طرق إثبات المقاصد"، فلا يعقل ألا يكمل قراءة كتاب المقاصد وخاتمته. فالأظهر أنه أهمله عمدا، استقلالا منه لأهميته.
_________________
(١) ١ في مقال له بعنوان: مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة، بين الشاطبي وابن عاشور، نشر بمجلة العلوم الإسلامية الصادرة عن جماعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسنطينية، الجزائر، العدد الثاني، ١٤٠٧.
[ ٢٨٣ ]