والأحكام لا يدخلها ذلك، ولأن الخبر لاينسخ على الصحيح، الأحكام تنسخ، فهذا التفسير باطل، بل لا معنى للحرمة إلا طلب قائم بذات الله تعالى، متعلق بدرك العقل لا ما قاله.
قوله: «المراد من السبب المعرف لا الموجب».
تقريره: أن الحادث يجوز أن يعرف بالقديم، كما عرفنا الله تعالى بصنعته المحدثة، وأما الموجب فهو المؤثر بالذات، والموجد هو المؤثر بالاختيار، والأثر من الموجد أو م الموجب متأخر عنهما بالضرورة، فإذا كانا حادثين كان حادثا جزما.
قوله: «المراد من كون الدلوك سببا أنا متى شاهدنا الدلوك علمنا أن الله - تعالى - أمرنا بالصلاة».
تقريره: أن خطاب الشارع قسمان:
خطاب تكليف أو إذان يشترط فيه علم المخاطب وقدرته، وهو الاحكام المتعلقة بالاقتضاء أو التخيير، فلا بد من علم المكلف بما طلب منه، أو أذن له فيه، ولا بد من كونه مقدورا له، فالنازل من شاهق قهرا لا يؤمر بالنزل، ولا يباح له، بل لاتتعلق به هذه الاحكام، ويكون في هذا الحال كالنائم والجنون.
وخطاب وضع: وهو نصب الأسباب، والشروط، والموانع، والتقديرات.
فالأول: كالنصاب في الزكاة،
[ ١ / ٢٢٠ ]
[ ١ / ٢٢١ ]
[ ١ / ٢٢٢ ]
وأوقات الصلوات.
[ ١ / ٢٢٣ ]
[ ١ / ٢٢٤ ]
والثانى: كالحول في الزكاة، والطهارة في الصلاة.
والثالث: كالدين في الزكاة، والنجاسة في الصلاة.
والرابع: هو إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود.
[ ١ / ٢٢٥ ]
فالأول: كالنجاسة المعفو عنها، فإنها موجودة، وهي في حكم الشرع كالمعدومة، وكذلك كل رخصة.
والثاني: كتقدير الملك للمعتق عنه، إذا قال لك: أعتق عبدك عني، فإن الولاء له، فيقدر له الملك حتى يثبت ولاء العتق له، وكذلك تقدير الأعيان في الذمم في السلم وغيره، فإنك تقول: في ذمته جمل أو حنطة، أو دين إلى أجل ونحو ذلك، مع أ، هذه الأشياء معدومة، لكن الشرع يقدرها موجودة لصحة إيراد المعقود، فإن العقد بدون المعقود عليه محال، ولا يكاد باب من أبواب الفقه يعرى عن التقدير، وقد ثبت ذلك في كتاب «الأمنية في إدراك النية».
فهذا القسم من الخطاب الذي هو خطاب الوضع للأربعة، لايشترط فيه قدرة المكلف، ولا علمه، فيورث بالنسب، ويطلق بالضرر ونحو ذلك، وإن كان الوارث والمطلق عليه غير عالمين وعاجزين كمالمجنون والغائب وونحوهما، هذا هو الغالب في خطاب الوضع، وقد استنثى صاحب الشرع منه أشياء كالجنايات، فإنها أسباب العقوبات ولا يعاقب عاجز، ولا غير عالم، فمن شرب خمرا يظنه جلابا لا يحد، ومن وطيء أجنبيه يظنها أمته لا يحد، لأن عقوبة العاجز ولاذي لم يقصد الفساد لم يرد به الشرع، وكذلك طلاق الصبي وبيعه لا ينفذان، مع أنهما سببان كالنسب الموجب للإرث، ومقتضى القاعدة أن ينفذا من الصبي، وتخريج هذه المستثنيات مبسوط في الفقه.
[ ١ / ٢٢٦ ]
غير أن هذا هو شأن هذه القاعدة، إذا تقرر هذا، فجعل الشارع الزوال سببا هو نصبه سببا، وإذا جعله سببا ترتب على هذا الجعل علمنا بوجوب الظهر عنده، فتفسير الإمام نصب الأسباب بعلمنا لا يستقيم، وهو كتفسير السرقة بالقطع، وأنه غير مستقيم، ثم قوله: «لا معنى لهذه السببية إلا الإيجاب» لا يصح؛ لأن الإيجاب حقيقة معلومة، وهي أعم من كونها مرتبطة بالزوال، فالزوال بالزوال أمر زائد عليها، والزائد على الشيء لا يكون نفسه، وهذا الارتباط هو السببية، وليس هو حقيقة الإيجاب قطعا، وكذلك الشرطية في المشروط هو ربط عدم الحكم بحالة عدم الشرط، ومانعية المانع هي ربط عدم الحكم بحالة وجود المانع، فإن المعتبر من الشروط عدمه في عدم الحكم، ومن المانع وجوده في عدم الحكم، ومن السبب وجوده وعدمه، وسيأتي بسط هذا إن شاء الله تعالى عند الكلام على الشروط
[ ١ / ٢٢٧ ]