وأما قولهم: إنه جدال، فليت شعرى كيف يليق بهم ذم الجدال والجدل، وهو شأن الله تعالى، وشأن خاصته، فقد أقام الله - تعالى - الحجج، وعامل عباده بالمناظرة، قال الله تعالى: ﴿فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾، وقال تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾، ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه﴾، وقال للملائكة: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض﴾، لما قالوا له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، وقامت الحجة له - تعالى - عليهم لما أنبأهم آدم بالأسماء وتناظرت الملائكة بقوله تعالى: ﴿ما كان لي
[ ١ / ١٠١ ]
من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون﴾، وتجادل الأنبياء ﵈.
وفي الصحيح: «تحاجّ آدم وموسى - ﵉ - فقال موسى لآدمَ -صلواتُ الله عليهم أجمعين - أنتَ آدَمُ خلقك الله بيدهِ وأسجدَ لكَ الملائكة، وعاتبه على أكل الشجرة، فقال له آدم في آخر كلامه: أتلومني على أمر قد قُدّر علىَّ؟ قالَ رسول الله ﷺ: فحجَّ آدم موسى» أى ظهرت حجته عليه. الحديث.
وحاجت الأنبياء أممها، وجادلتها قال الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾، وحكى المجادلة إلى آخرها إلى قوله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر﴾، وقال تعالى: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾، وقال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، وقال تعالى ﴿وجادلتهم بالتي هي أحسن﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ وهو كثير جدا.
فالجدال أصله اللَّىُّ والفَتْلُ، وجَدَلت الحبل إذا فتلته، ومنه سمى الصَّقر أجدل لانبرام جسمه وشدته، فمن لوى إلى الحق فهو محمود، ومن لوى إلى الباطل فهو مذموم، فالجدال كالسَّيف آلة عظيمة حسنة في نفسها، وإنما يَعْرض لها الذم من جهة ما تعمل فيه، فمن قطع به الطريق، وأخاف به السبيل على المسلمين ذُمّ، فكما لا يذم السيف في نفسه لا يذم الجدال في
[ ١ / ١٠٢ ]
نفسه، وإنما يُذَمُّ القصد الصارف له إلى الباطل، فما من شيء في العالم إلا هو كذلك، قال الله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾، فجعل الجميع فتنة إشارة لما ذكرته، وأصول الفقه وأصول الدين من الفروض المتعين إقامتها وضبطها، لوجوب الحجة لله - تعالى - على خلقه، وإيضاح أحكام شريعته، وسيأتى في «المحصول» أنه من فروض الكفايات الحسنة الجليلة التى لها شئون، وشرف عظيم على غيرها.