بل هو إمّا نهي محض نحو قوله تعالى: «فهل ترى لهم من باقية» الحاقة: ٨ معناه: لا ترى لهم من باقية.
أو ثبوت محض نحو قوله تعالى: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر» الإنسان: ١ أي: قد أتى، ومنه الامتنان نحو قوله تعالى: «ألم نشرح لك صدرك» الشرح: ١ فهي كلها إخبارات حرجت بقوله على وجه الاقتضاء وكذلك التهديد نحو «ما منعك أن تسجد» ص: ٧٥ وأما قوله تعالى: (أم له البنات ولكم البنون» الطور: ٣٩ فوعيد معناه النهي، فيندرج في الحكم لأنه تحريم، فإنا لا نخص التحريم بصيغة النهي، بل بأي دليل كان.
والترجي والتمني محالان على الله تعالى، لأنهاما لا يكونان إلا من جاهل بالعواقب، لأن المعلوم لا يترجى ولا يتمنى، بل هما من الله - تعالى - إما مجاز في الأمر فيندرجان من باب التعبير بالملزوم عن اللازم، لأن الطلب من لوازهما، أو بتصرفات المخاطب، أي: عمل عمل من يرجو، كما في قوله تعالى: «لعله يتذكر أو يخشى» طه: ٤٤ أي عظاه موعظة الراجي، أي بالغا في ذلك، فيندرج في الحكم لأنه طلب او مجاز منصرف إلى الله تعالى نحو قوله تعالى: «ثم بعثناكم من بعد موتكم» البقرة: ٥٦ أي: بالغنا في هذا مبالغة من يرجو هذا منكم، والضابط: متى كان الفعل من الله - تعالى - فالمبالغة منه، ويكون خبرا عن المبالغة، فيخرج تقيد الطلب، ومتى كان الفعل للعبد كانت المبالغة طلبا من العبد للمبالغة، فيكون حكما، وأما الندائ والقسم فنوقل: إنهما حكمان؛ لأنهما طلبان من الله تعالى.
«سؤال»
المخاطبة مفاعلة لا تكون إلا من اثنين، فتكون مختصة بالحادث،
[ ١ / ٢١٨ ]
فمخاطبة الله - تعالى - حادثة، وكلامه قديم، والحكم عندنا قديم، فتسيره بالحادث لا يصح، فيجب على هذا أن نقول في الحد: «هو كلام الله القديم ..» إلى آخره، فالكلام احترازا من الخطاب الحادث، «والكلام القديم» احترازا من الكلام الحادث الذي هو آيات القرآن، فإنها أصوات حادثة، وهي الأدلة، وأما الحكم فمدلول قديم قائم بذات الله تعالى.
قوله: «الحكم صفة فعل العبد تقول: وطء حلال، وصفة الحادثة حادثة، ثم أجاب عنه بأنه متعلق الخطاب».
تقريره: أن الشيء يوصف بما هو قائم به، نحو: عالم وقادر، وبما ليس قائم به كقولك: الشمس تغرب غدا، فغروب الشمس يصدق عليه أنه معلوم، ولكن بعلم قام بك، وكذلك هو مذكور ومخبر عنه، ولكن بذكر قام بك، وخبر قام بك لا به، وكذلك إذا قلت لعبدك: أسرج الدابة، فالإسراج مأمور به، وواجب على العبد بأمر وإيجاب قام بك، لا بإسراجه، فظهر أن الشيء قد يوصف بما ليس قائما به، ففي القسم الأول، إذا وصف بما هو قائم به يلزم من نحدوث الموصو ف حدوث الصفة، [وفي الثاني إذا وصف بما ليس قائما به لا يلزم من حدوث الموصوف حدوث الصفة لأن الصفة إذا لم] تقم به أمكن تقديمها عليه، فجاز أن تكون قديمة والموصوف حادث، فوصف الأفعال بالأحكام من هذا القبيل، فقولنا: حلال وحرام مثل قولك: في إسراج لادابة وغروب الشمس.
فقوله: «لا نسلم أن الحرمة من صفات الأفعال» مراده صفات قائمة بالموصوف، وإلا فهي صفة قطعا كقولك: فعل حلال وحرام، فهذا التفصيل خير من المنع، ثم إنه قال: «لا معنى لكونه حراما إلا كونه مقولا فيه: لو فعلته لعاقبتك» مشكل، لأن هذه صيغة خبر، وهو مشكل، وتفسير الحرمة بالخبر لا يصح، لأن الخبر يدخله التصديق والتكذيب،
[ ١ / ٢١٩ ]