قال القرافي: تقريره: أنّ أصول الفقه مركب من المضاف والمضاف إليه، والعلم بالمركبات يتوقف على العلم بالمفردات، لأن من جهل الحيوان، أو الناطق استحال أن يعرف الإنسان، أو جهل الخلَّ أو السُّكّر استحال أن يعرف السَّكَنْجَبِين الذي يتركب منهما، ولكن يعرف الحيوان والناطق من جهة أنهما حيوان وناطق، فإن تركب الإنسان منهما، إنما هو من هذا الوجه، لا من جهة أن الحيوان جسم ولا ممكن، ولا من جهة أن الناطق متحيز، ولا قابل للأعراض، وكذلك جميع أجزاء المركبات، يجب أن يقف العلم بالمركب عليها من جهة أنها يصح منها التركيب، لا من كل وجه، وترد عليه أربعة أسئلة:
السؤال الأول: أنَّ العلم قسمان:
إجمالي وتفصيلي.
فالإجمالي: العلم بالشيء من بعض وجوهه.
والتفصيلي: العلم بالشيء من جميع وجوهه، وكذلك تقول: أمر فلان أعرفه من حيث الجملة، وأمر فلان أعرفه مفصلا، والجَمْل: الخلط، ومنه قوله ﷺ: «لعن الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» أى: خلطوها بالسبك على النار.
ومنه لفظ «مُجمَل» لاختلاط المراد فيه بغير المراد، والعلم الإجمالى: اختلط الوجه المعلوم بالوجه المجهول في تلك الحقيقة.
[ ١ / ١١١ ]
إذا تقرر هذا، فالعلم بالمركب إنما يتوقف على العلم بمفرداته إذا كان تفصيليا، أما الإجمالى فلا، فكم في العالم من يعلم التِّريَاق والفاروق بالسماع، ولا يعرف أن حوائجه نَيِّف وسبعون حاجة، بل يعرف سقف بيته ولا يعرف عدد خشبه، ولا ما رُصَّ فيه من اللَّبِنِ، بل يعرف نفسه، ولا يعرف أن فيه خمسمائة عضلة تحركه، ولا عدد عظامه، وأوردته، وشرايينه، وغير ذلك من أجزائه، وهذه نفس الإنسان، فما ظنُّك بغيرها، نعم العلم التفصيلي متوقف، لكنه أطلق القول، فيرد عليه القسم الأول الإجمالى.
الثاني: أنه إذا سُلِّمَ له ما قال، واحتاج كما قال إلى معرفة الفقه، والأصل يلزمه أن الفقه جزء كما قال، وأن الحقيقة لا تثبت به، وأن الحقيقة لا تثبت بدون جميع أجزائها، فلا يسمى أحد أصوليا، إلا إذا قام به أصول الفقه، ومن جملة أجزائه الفقه، فلا يكون أحد أصوليا حتى يكن فقيها، وليس كذلك لإطباق أهل العرف علي قولهم: فلان أصولى، وليس بفقيه، وإنما يحتاج في الأصول إلى معرفة تصور أصل الأحكام الفقهية، أو التمثيل ببعض أفرادها، وذلك ليس كافيا في مسمى الفقه على ما يأتى في حد الفقه إن شاء الله تعالى.
الثالث: في قوله: من الوجه الذي يصح التركيب فيه، مع أن الجزء لا يقع التركيب فيه، بل منه، والذي يقع التركيب فيه إنما هو المركب لا مفرداته، فمقتضى قوله: أن يكون التركيب في الجزء، فيكون كل جزء مركبا، فيلزم التركيب في كل مركب من أجزاء لا نهاية لها، وهو محال لاقتضاء صيغته أن كل جزء وقع التركيب فيه.
الرابع: أن أصول الفقه مركب من المضاف الذي هو الأصول، ومن الفقه الذي هو المضاف إليه، فاللازم عن هذا التركيب معرفة الأصول، ومعرفة نسبته الخاصة إلى الفقه لا نفس الفقه، فالمضاف إليه لا يدخل في حقيقة المضاف، بل نسبته إليه فقط، فقوله بعد ذلك: فيجب علينا تعريف الأصل،
[ ١ / ١١٢ ]
والفقه ليس كذلك، بل تعريف الأصل ونسبته إلى الفقه، وأما الفقه فلا، وهذا هو السر في أن أصول الفقه قد يوجد بدون الفقه، وفي قوله: هذا أصولى، وليس بفقيه؛ لأن الفقه لم يدخل في حقيقة الأصول، بل النسبة فقط، كقولهم: غذاء الإنسان، ونومه، ومسكنه، لم يدخل الإنسان في شىء من تلك الحقائق، بل النسبة إليه فقط.