قال: "الخامس: العبادة إن وقعت في وقتها المعين ولم تسبق بأداء مختل فأداء وإلا فإعادة، وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء وجب أداؤه كالظهر المتروكة قصدا، أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر والمريض، أو امتنع عقلا كصلاة النائم، أو شرعا كصوم الحائض "فرع": ولو ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت تضيق عليه، فإن عاش وفعل في آخره فقضاء عند القاضي أبي بكر أداء عند الحجة، إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه". أقول: هذا تقسيم آخر للحكم باعتبار الوقت المضروب للعبادة وحاصله: أن العبادة إما أن يكون لها وقت معين أي: مضبوط بنفسه محدود الطرفين أم لا فإن لم يكن لها وقت معين فلا توصف بالأداء ولا بالقضاء سواء كان لها سبب كالتحية وسجود التلاوة وإنكار المنكر وامتثال الأمر. إذا قلنا: إنه على الفور أو لم يكن كالصلاة المطلقة والأذكار وقد توصف بالإعادة كمن أتى بذات السبب على نوع من الخلل فتداركها، ولم يتعرض المصنف ولا الإمام لهذا القسم وإن كان لها وقت معين فا يخلو إما أن تقع في وقتها أو قبله أو بعده فإن وقعت قبل وقتها حيث جوزه الشارع فيسمى تعجيلا كإخراج زكاة الفطر ولم يتعرض المصنف أيضا ولا الإمام لهذا القسم، وإن وقعت في وقتها فإن لم تسبق بأداء مختلّ أي بإتيان مشتمل على نوع من الخلل فهو الأداء، فأراد المصنف بالأداء المذكور أولا العناء واللغو، وبالأداء الثاني معناه الاصطلاحي، ويرد على المصنف قضاء الصوم، فإن الشارع جعل له وقتا معينا لا يجوز تأخيره عنه وهو من حين الفوات إلى رمضان السنة الثانية، فإذا فعله فيه كان قضاء مع أن حد الأداء منطبق عليه فينبغي أن يزيد أو لا فيقول في وقتها المعين أولا، وحينئذ فلا يرد لأن هذا الوقت المعين وقت ثان لا أول، وأيضا فإنه إذا وقع ركعة في الوقت كانت أداء مع أنه صلاته
[ ٣١ ]
لم تقع فيها بل الواقع هو البعض، فإن قيل: إذا أفسد الحج بإجماع فتداركه، فإنه يكون قضاء كما قاله الفقهاء مع أنه وقع في وقته، وهو العمر فالجواب: أنه إنما يكون العمر كله وقتا إذا لم يحرم به إحراما صحيحا، فأما إذا أحرم به فإنه يتضيق عليه ولا يجوز الخروج منه وتأخيره من عام إلى آخر يلزم من ذلك فوات وقت الإحرام به، فإذا اقتضى الحال فعله بعد ذلك فيكون قضاء للفوات بخلاف من أتى به غير منعقد، وقد سلكوا هذا المسلك بعينه في الصلاة، فقالوا: إنه إذا أحرم بالصلاة وأفسدها ثم أتى بها في الوقت فإنه يكون قضاء يترتب على جميع أحكام القضاء لفوات وقت الإحرام بها، ما قررناه من امتناع الخروج نص على ذلك القاضي الحسين في تعليقه، والمتولي في التتمة، والروياني في البحر، كلهم في باب صفة الصلاة في الكلام على النية وقد ذكرته مبسوطا في التناقض الكبير المسمى بالمهمات وهو الكتاب الذي لا يستغنى عنه، وإذا تقرر هذا وكلام الأصوليين لا ينافيه فليحمل عليه. قوله: "وإن وقعت بعده" أي: وإن وقعت العبادة بعد وقتها المعين سواء كان الوقت مضيقا أو موسعا كما قال في المحصول. "ووجد فيه" أي: في الوقت "سبب وجوبها" فإنه يكون قضاء ويدخل ما إذا مات فحج عنه وليه، فإنه يكون قضاء كما صرحوا به لوقوعه بعد وقته الموسع إذ الموسع قد يكون بالعمل، وقد يكون بغيره كما سيأتي قوله: "ووجد فيه سبب وجوبها" مردود من وجهين أحدهما: أن النوافل تقتضي على مذهبه مع أنه أخرجها باشتراط سبب الوجوب، ويدل عليه أيضا أنها توصف بالأداء والإعادة كما اقتضاه كلامه، فإنه قسم العبادة وهي أعم من الفرض والنفل ولم يقسم العبادة بقيد وجودها، ويرد عليه الصبي بعد وقتها فإنه مأمور بالقضاء، الثاني: أن دخول الوقت هو السبب في الوجوب وقد ذكره عند قوله، والقضاء يتوقف على السبب لا الوجوب فكيف يجعله مغايرا له حتى يشترطه أيضا مع مضي الوقت؟ فإن كان مراده أنه لا يوصف بالقضاء إلا ما كان أداؤه واجبا فهو فاسد؛ لأنه سيصرح بعد هذا بقليل بعكسه، وقد وقع صاحب التحصيل فيما وقع فيه المصنف فقال: وإن أديت خارج وقتها المضيق أو الموسع سميت قضاء، إن قصد سلب وجود الأداء، والمحصول والحاصل سالمان من هذا الاعتراض؛ وذلك لأن الإمام ذكر في أول التقسيم أن الواجب إذا أدي بعد خروج وقته المضيق أو الموسع سمي قضاء، ولم يذكر غير ذلك ثم قال بعد ذلك: وههنا بحثان فذكر الأول ثم قال: الثاني: أن الفعل لا يسمى قضاء، إلا إذا وجد سبب وجوب الأداء مع أنه لم يوجد الأداء، ثم تارة يجب الأداء، وتارة يمتنع عقلا، وتارة شرعا إلى آخر ما قال، فذكر أولا أن القضاء هو ما فعل بعد خروج وقته وعبر عنه ثانيا بتقديم سبب الوجوب، ولكن عبر بذلك ردا على ما قال: إن القضاء يتوقف على الوجوب، فضم المصنف الثاني إلى الأول حالة الاختصار وعطفه عليه، وكذلك صاحب التحصيل ظنا منهما أنه قيد في المسألة وهو غلط بلا شك، نعم كلام الإمام يوهم أن النوافل لا
[ ٣٢ ]
تقتضي ولكنه لا يرد عليه، فإنه ذكر في أول التقسيم أن العبادة توصف بالأداء والقضاء والإعادة، ولم يخصها بالواجب، ثم قال: فالواجب إذا أدي في وقته سمي أداء إلى آخر ما قال، فسلمنا أن تذكر الواجب من باب التمثيل فقط، وقد وقعت أغلاط عدة لكثير من الشراح في هذه المسألة فاجتنبها واعتمد ما ذكرته. قوله: "وجب أداؤه إلخ" يعني أن القضاء على أقسام، تارة يكون أداؤه واجبا كالظهر المتروكة قصدا بلا عذر، وتارة لا يجب أداؤه ولكنه كان ممكنا كصوم المسافر والمريض، وتارة لا يجب لا يمكن أيضا، أما من وجهة العقل كصلاة النائم والمغمى عليه في رمضان من أول الوقت إلى آخره؛ لأن القصد إلى العبادة مستحيل عقلا مع الغفلة عنها لأنه جمع بين النقيضين، وأما من وجهة الشرع كصوم الحائض، فإن المانع من صحة صومها هو الشرع لا العقل. قوله: "ولو ظن المكلف إلخ" إذا ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت الموسع تضيق عليه الوقت اتفاقا، وحرم عليه التأخير اعتبارا بظنه، وصورة ذلك أن يطالب أولياء الدم مثلا باستيفاء الدم من الجاني فيحضره الإمام أو نائبه، ويحضر الجلاد ويأمر بقتله، ومثله أيضا ما إذا اعتادت المرأة أن ترى الحيض بعد مضي أربع ركعات بشرائطها من وقت الظهر، فإن الوقت يتضيق عليها، نص عليه إمام الحرمين في النهاية في الكلام على مبادرة المستحاضة إذا تقرر ذلك، فإن عصى ولم يفعل فاتفق أن أولياء الدم عفوا عنه أو لم يأت الحيض ففعله في وقته الأصلي، لكن بعد الوقت المضيق بحسب ظنه فهو قضاء عند القاضي أبي بكر؛ لأنه أوقعه بعد الوقت المضيق عليه شرعا، وأداء عند حجة الإسلام الغزالي لأنه وقع في وقته المعين بحسب الشرع، وأما ظنه فقد تبين خطؤه فلا اعتبار به.
[ ٣٣ ]