قال: "فروع الأول: النقل خلاف الأصل، إذ الأصل بقاء الأول، ولأنه يتوقف على الأول ونسخه ووضع ثانٍ، فيكون مرجوحا. الثاني: الأسماء الشرعية الموجودة المتواطئة كالحج والمشتركة كالصلاة الصادقة على ذات الأركان وصلاة المصلوب والجنازة، والمعتزلة سموا أسماء الذوات دينية كالمؤمن والفاسق والحروف، والفاسق والحروف لم توجد والفعل يوجد بالتبع. الثالث: صيغ العقود كبعت إنشاء، إذ لو كانت أخبارا وكانت ماضيا أو حالا لم تقبل التعليق وإلا لم تقع، وأيضا إن كذبت لم تعتبر وإن صدقت فصدقها إما بها، فيدور أو بغيرها وهو باطل إجماعا. وأيضا لو قال المرجعية: طلقتك، لم يقع كما لو نوى الإخبار" أقول: قد تقدم الاستدلال على إثبات الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية، وقد تقدم أن العرفية والشرعية منقولان من اللغوية؛ فلذلك عقبه بفروع ثلاثة مبنية على النقل، الأول: النقل خلاف الأصل على معنى أن اللفظ إذا احتمل النقل من الحقيقة اللغوية إلى الشرعية أو العرفية وعدم النقل فالأصل عدم النقل لوجهين أحدهما: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان كما سيأتي في القياس، والنقل فيه انتقال عما كان فيكون خلاف الأصل. الثاني: أن النقل يتوقف على الأول، أن الوضع اللغوي على نسخه، ثم الوضع الثاني، وأما الوضع اللغوي فإنه يتم بشيء واحد وهو الوضع الأول، وما يتوقف على ثلاثة أمور مرجوح بالنسبة إلى ما يتوقف على أمر واحد؛ لأن طرق عدمه أكثر. الفرع الثاني: أن الشارع هل نقل الأسماء والأفعال والحروف أم نقل بعضها دون بعض؟ فنقول: أما الأسماء فقد وجدت، وكان قد تقدم لنا أن الأسماء
[ ١٢٥ ]
اللغوية تنقسم إلى المتباينة والمترادفة والمشتركة والمشككة والمتواطئة، فشرع الآن يتكلم فيما وجد من تلك الأقسام في الحقيقة الشرعية، فنقول: أما المتباينة فموجودة كالصلاة والصوم، وأهمله المصنف لوضوحه وكذا المتواطئة كالحج فإنه يطلق على الإفراد والتمتع والقران، وهذه الثلاثة مشتركة في الماهية وهو الإحرام والوقوف والطواف والسعي، واختلفوا في وقوع المشتركة. قال في المحصول: والحق وقوعها؛ لأن اسم الصلاة صادق على المشتملة على الأركان كالظهر وغيرها، وعلى الخالية عن الركوع والسجود كصلاة المصلوب والجنازة، والخالية عن القيام كصلاة القاعد، وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك فتعين الاشتراك، ومثله أيضا الطهور الصادق على الماء والتراب وآلة الدباغ، وأما المترادفة فأهملها المصنف وصاحب الحاصل، فإن الإمام في المحصول ذكر أن الأظهر أنها لم توجد، وليس كما قال فإنه قد تقدم من كلامه أن الفرض والواجب مترادفان وهما من الحقائق الشرعية، وقد تقدم أيضا أن للحرام اسما وللمندوب اسما فتكون أيضا مترادفة. قوله: "والمعتزلة سموا" يعني: أن المعتزلة لما أثبتوا الحقائق الشرعية قالوا: إنها تنقسم إلى أسماء الأفعال كالصوم والصلاة، وإلى أسماء الذوات المشتقة من تلك الأفعال كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة وأفعل التفضيل، كقولنا: زيد مؤمن أو فاسق أو محجوج عنه أو أفسق من عمرو، وسموا هذا الضرب بالدينية تفرقة بينها وبين الأول، وإن كان الكل عندهم على السواء في أن شرعي، هكذا قاله في المحصول فتبعه المصنف، وفيه نظر فإن المنقول عن المعتزلة أن الدينية هي الأسماء المنقولة شرعا إلى أصل الدين كالإيمان والكفر، وأما الشرعية فكالصلاة والصوم، ومما نص عليه إمام الحرمين في البرهان والغزالي في المنخول والمستصفى، فقال: قالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء: الأسماء لغوية ودينية وشرعية، أما اللغوية فظاهرة، وأما الدينية فما نقلته الشريعة إلى أصل الدين كالإيمان والكفر والفسق، أما الشرعية فكالصلاة انتهى لفظ الغزالي، ولم يذكر الآمدي هذا القسم أعني: الدينية، وذكره ابن الحاجب في المختصر ولم يبينه. قوله: "والحروف إلخ" يعني أن الحروف الشرعية لم توجد لأنها لا تفيد وحدها، وقال في المحصول: إنه الأقرب للاستقراء، وأما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء، ووجد بالتبع لنقل الاسم الشرعي نحو: صلى الظهر، فإن الفعل عبارة عن المصدر والزمان، فإن كان المصدر شرعيا استحال أن يكون الفعل إلا شرعيا، وإن كان لغويا فكذلك. الفرع الثالث: صيغ العقود كبعث وكذلك الفسوخ كفسخت، وأعتقت وطلقت إخبارات في أصل اللغة، وقد تستعمل في الشرع أيضا كذلك، فإن استعملت لإحداث حكم كانت منقولة إلى الإنشاء، وقالت الحنفية: إنها إخبارات عن ثبوت الأحكام وذلك بتقدير وجودها قبل اللفظ، وغايته أن تكون مجازا وهو أولى من النقل كما سيأتي، والفرق بين الإنشاء والخبر من وجود أحدها أن الإنشاء لا يتحمل التصديق والتكذيب بخلاف
[ ١٢٦ ]
الخبر. الثاني: أن الإنشاء لا يكون معناه إلا مقارنا للفظ بخلاف الخبر، فقد يتقدم وقد يتأخر. الثالث: الإنشاء هو الكلام الذي ليس له متعلق خارجي يتعلق الحكم النفساني به بالمطابقة وعدم المطابقة بخلاف الخبر. الرابع: الإنشاء سبب لثبوت متعلقه، وأما الخبر فمظهر له، واستدل المصنف على كونه إنشاء بثلاثة أدلة، أحدها: أنه لو كانت إخبارا فإن كان عن ماض أو حال فيلزم أن لا يقبل الطلاق التعليق؛ لأن التعليق عبارة عن توقف وجود الشيء على شيء آخر، والماضي والحال موجود فلا يقبله وليس كذلك، وإن كان خبرا عن مستقبل يقع؛ لأن قوله: طلقتك في قوة قوله: سأطلقك على هذا التقدير والطلاق لا يقع به. والدليل الثاني: لو كانت إخبارات فإن كانت كاذبة، فلا اعتبار بها، وإن كانت صادقة فصدقها إن حصل بهذه الصيغ نفسها، أي: يتوقف حصوله على حصول الصيغة فيلزم الدور؛ لأن كون الخبر صدقا، وهو قوله: طلقتك مثلا، موقوف على وجود المخبر عنه وهو وقوع الطلاق، فلو توقف المخبر عنه وهو وقوع الطلاق على الخبر وهو قوله: طلقتك لزم الدور، وإن حصل الصدق بغيرها فهو باطل إجماعا للاتفاق منها ومنهم على عدم الوقوع عند عدم هذه الصيغة. الدليل الثالث: إذا قال لمطلقته الرجعية في حال العدة: طلقتك ونوى الإخبار فإنه لا يقع عليه شيء فإن لم ينو شيئا أو نوى الإنشاء فإنه يقع بالاتفاق، ولو كان إخبارا لم يقع كما لو نوى به الإخبار، وفيه نظر لجواز أن يكون خبرا عن الحال؛ فلذلك يقع.
[ ١٢٧ ]