قال: "الثالثة: شرط المجاز العلاقة المعتبر نوعها نحو السببية القابلية مثل: سال الوادي، والصورية كتسمية اليد قدرة، والفاعلية مثل نزل السحاب، والغائية كتسمية العنب خمرا، والمسببية كتسمية المرض المهلك بالموت، والأولى أولى لدلالتها على التعيين، وأولاها الغائية؛ لأنها علة في الذهن ومعلولة في الخارج، والمشابهة كالأسد للشجاع والمنقوش ويسمى الاستعارة المضادة مثل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]
[ ١٢٨ ]
والكلية كالقرآن لبعضه والجزئية كالأسود الزنجي والأول أقوى للاستلزام والاستعداد كالمسكر على الخمر في الدن، وتسمية الشيء باعتبار ما كان عليه كالبعد والمجاورة كالرواية والزيادة والنقصان مثل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ و﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ والتعلق كالخلق المخلوق". أقول: يشترط في استعمال المجاز وجود العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي وإلا لجاز إطلاق كل لفظ على كل معنى وهو باطل، وهل يكفي وجود العلاقة أم لا بد من اعتبار العرب لها، أي تستعملها؟ فيه مذهبان حكاهما الآمدي من غير ترجيح، ويعبر عنهما بأن المجاز هل هو موضوع أم لا؟ أصحهما عند ابن الحاجب أنه لا يشترط؛ لأن أهل العربية لا يتوقفون عليه وأصحها عند الإمام وأتباعه أنه يشترط لأن الأسد له صفات وهي: الشجاعة والحمى والبخر والجذام، ومع ذلك لا يجوز إطلاقه لغير الشجاع، ولو كانت المشابهة كافية من غير نقل لما امتنع، وللخصم أن يقول: المشابهة كافية في صفة ظاهرة وهذه لا يتبادر الذهن إليها. قال القرافي: والخلاف إنما هو في الأنواع لا في الجزئيات، النوع الوحد كالقائل بالاشتراك يقول: لا بد أن تضع العرب نوع التجوز بالكل إلى الجزء مثلا، وبالسبب إلى المسبب، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: المعتبر نوعها. قال في المحصول: والذي يحضرنا من أنواعها اثنا عشر قسما، وقد ذكر المصنف كما ذكرها إلا أنه أسقط العاشر للاستغناء عنه بالثالث، وقال الشيخ صفي الدين الهندي: الذي يحضرنا من أنواعها أحد وثلاثون نوعا وعددها، فلنقتصر على ما ذكره المصنف، فإن الزائد عليه إما مداخل أو مذكور في غير هذا الموضوع، أحدها: علاقة السببية وإطلاق اسم السبب على المسبب أي: العلة على المعلول، ثم إن السبب على أربعة أقسام: قابلي ويعبر عنه بالمادي، وصوري، وفاعلي، وغائي، وكل موجود لا بد له من هذه الأربعة كالسرير، فإن مادته الخشب وفاعله النجار وصورته الانسطاح وغايته الاضطجاع عليه، وإنما سميت الثلاثة الأولى أسبابا لتأثيرها في الاضطجاع وسمي الرابع وهو الغائي سببا لأنه الباعث على ذلك، فإنه إذا استحضر في ذهنه الاضطجاع حمله ذلك على العمل وهو معنى قولهم: أول الفكر آخر العمل، ومعنى العلة الغائية علة العلل الثلاث في الأذهان، ومعلولة العلل الثلاث في الأعيان، أي: في الخارج مثل تسمية الشيء باسم سببه القابلي، وقولهم: سال الوادي أي: الماء الذي في الوادي فعبر عن الماء السائل بالوادي؛ لأن الوادي سبب قابل له، فأطلق السبب على المسبب وفيه نظر، فإن المادي في اصطلاحهم جنس ماهية الشيء كما تقدم في الخشب مع السرير، وههنا ليس كذلك، ويظهر أن هذا من باب تسمية الحال باسم المحل، أو من مجاز النقصان الآتي وتقديره: ماء الوادي، ومثال تسمية الشيء باسم سببه الصوري إطلاق اليد على القدرة في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] أي: قدرة الله تعالى فوق قدرتهم، فاليد لها صورة خاصة يتأتى بها الاقتدار على الشيء وهو تجويف راحتها، وصغر عظمها، وانفصال بعضها عن بعض
[ ١٢٩ ]
لتلتوي على الأشياء بقوة، فشكل اليد على الاقتدار كشكل السرير مع الاضطجاع، وقد تقدم أنه سبب صوري فتكون اليد كذلك، فإطلاقها على القدرة من باب إطلاق اسم السبب الصوري على المسبب، وقد انعكس المثال على الإمام وأتباعه ومنهم المصنف فقالوا: كتسمية اليد قدرة والصواب: كتسمية القدرة يدا كما قررناه فاعتمده، واجتنب غيره وقد ذكره الإمام في المنتخب على الصواب، مثال تسمية الشيء باسم سببه الفاعلي قولهم: نزل السحاب يعنون المطر، فإن السحاب سبب فاعلي في المطر عرفا، كما تقول: الشمس تنضج الثمار هكذا مثل المصنف تبعا للحاصل، ومثل له الإمام بقولهم: نزل السماء، وأشار إلى قول الشاعر:
إذا نزل الغمام بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
وفيه نظر؛ فإن المطر فوقنا فهو سماء، والظاهر أنه مراد المصنف أيضا، وكأنه فهم أن المراد بالسماء المعبر بها عن المطر هو السحاب لا السماء المعهودة؛ لعدم تأثيرها في المطر فصرح به، ومثال تسمية الشيء باسم سببه الغائي قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أي: عنبا، فأطلق الخمر على العنب؛ لأنها العلة الغائية عندهم. النوع الثاني: علاقة المسببية وهو إطلاق اسم المسبب على السبب كتسمية المرض المهلك بالموت، وإذا تعارض الأمر بين العلاقة الأولى وهي إطلاق اسم السبب على المسبب، وبين الثانية وهي إطلاق اسم المسبب على السبب، فالأول أولى؛ لأن السبب المعين يدل على السبب المعين بخلاف العكس، ألا ترى أن البول مثلا يدل على انتقاض الوضوء، وانتقاض الوضوء لا يدل على البول، فقد يكون عن لمس أو غيره، فلما كان فهم المسبب عن السبب أقرب من عكسه كان أولى، وقد يقال: العكس أولى؛ لأن وجود المسبب بدون السبب محال، فالسبب لازم للمسبب، ولا ينعكس لجواز تخلف المسبب عن السبب، ثم إن العلة الأولى قد عرفت انقسامها إلى علل أربع، فإذا تعارضت فأولاها العلة الغائية لاجتماع علامتي السببية والمسببية فيها؛ لأنها علة في الذهن من جهة أن الخمر مثلا هو الداعي إلى عصير العنب، ومعلولة في الخارج؛ لأنها لا توجد إلى آخر كما قدمناه. والنوع الثالث: المتشابهة، وهي تسمية الشيء باسم ما يشابهه، إما في الصفة وهو ما أقصر عليه الإمام وأتباعه كإطلاق الأسد على الشجاع، أو في الصورة كإطلاقه على الصورة المنقوشة على الحائط، وهذا النوع يسمى المستعار لأنه لما أشبهه في المعنى أو الصورة استعرنا له اسمه فكسوناه إياه، ومنهم من قال: كل مجاز مستعار، حكاه القرافي. الرابع: المضادة، وهي تسمية الشيء باسم ضده، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فأطلق على الجزاء سيئة مع أن الجزاء حسن، ويمكن أن يكون من مجاز المشابهة كما قاله في المحصول١؛ لأن المماثلة شرط، ويمكن أن يكون أيضا حقيقة؛ لأنه يسوء
_________________
(١) ١ انظر المحصول، ص١٣٥، جـ١.
[ ١٣٠ ]
الجاني، فالأولى التمثيل بالمفازة للبرّية المهلكة. الخامس: الكلية وهو إطلاق اسم الكل على الجزء كإطلاق القرآن على بعضه، ومثله الإمام وأتباعه بإطلاق العام على الخاص وفيه نظر، فإن العموم من باب الكلية لا من باب الكل، والفرد منه من باب الجزئية لا من باب الجزء كما تقدم إيضاحه في تقسيم الدلالة، لا جرم أن المصنف مثل بالقرآن وفيه نظر أيضا، فإن نزاعا تقدم في الكلام على الحقيقة الشرعية، فالأولى التمثيل بقوله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] أي: أناملهم. السادس: الجزئية، وهو إطلاق اسم الجزء على الكل، كإطلاق الأسود على الزنجي، فإن بياض عينيه وأسنانه من كونه حقيقة، واعلم أن هذا المثال ذكره الإمام وأتباعه فتابعهم المصنف وهو على عكس المدعي فإنه من باب تسمية الجزء باسم الكل كالقسم الذي قبله، وأيضا فالمفهوم من الأسود قيام السواد بظاهر جلده فقط، وأيضا فحمل المشتق على الشيء أعم من كونه ثابتا لكله أو بعضه بدليل الأعرج المكسور إحدى الرجلين، والصواب التمثيل بقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ والأول وهو إطلاق اسم الكل على الجزء أقوى من إطلاق اسم الجزء على الكل؛ لأن الكل يستلزم الجزء من غير عكس. السابع: الاستعداد وهو أن يسمى الشيء المستعد لأمر باسم ذلك الأمر كتسمية الخمر وهو في الدن بالمسكر، فإن الخمر في تلك الحالة ليس بمسكر بل مستعد له، وعبر الإمام عن هذا بتسمية إمكان الشيء باسم وجوده، وعبر عنه ابن الحاجب بتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه. والثامن: تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه سواء كان جامدا كإطلاق العبد على العتيق، أو مشتقا كالضارب على من فرغ من الضرب، وهذا النوع ساقط في كثير من النسخ اكتفاء بما تقدم في الاشتقاق. التاسع: المجاورة وهو تسمية الشيء باسم ما يجاوره كإطلاق الراوية على ظرف الماء وهو القربة، فإن الراوية لغة اسم للجمل أو البغل أو الحمار الذي يستقى عليه، كما قاله الجوهري، وأطلق على القربة لمجاورتها له. العاشر: الزيادة وهو أن ينتظم الكلام بإسقاط كلمة فيحكم بزيادتها كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] قال: الكاف زائدة تقديره: ليس مثله شيء إذ لو كانت أصلية لكان تقديره: ليس مثل مثله شيء؛ لأن الكاف بمعنى مثل وحينئذ فيلزم إثبات مثل الله تعالى وهو محال، ولك أن تقول: ليست الكاف زائدة وتجيب عما قالوه بوجهين، أحدهما: أن هذه قضية سالبة والسالبة تصدق بانتفاء الذات وبانتفاء النسبة، فإذا قلنا: ليس زيد في الدار يصدق ذلك بانتفاء زيد أو انتفاء الدار أو انتفاء حصوله فيها، فكذلك في الآية. الثاني: أن المثل يلزم منه بالضرورة أن يكون له مثل، فإن زيدا إذا كان مثلا لعمرو كان عمرو مثلا له أيضا وحينئذ فيلزم من نفي مثل المثل نفي المثل؛ لأنه يلزم من نفي اللازم نفي اللزوم، فإن قيل: فيلزم انتفاء ذات البارئ ﷾ على هذا التقدير؛ لأنه من جملة الأمثال قلنا: لا يلزم فإن المراد نفي المثل عن الله تعالى لا نفيه تعالى، أو نقول: خص بالعقل. الحادي عشر: النقصان وهو
[ ١٣١ ]
أن ينتظم الكلام بزيادة كلمة، فيعلم نقصانها كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية، فإن القرية هي الأبنية المجتمعة وهي لا تسأل وهذا المجاز إنما هو من مجاز التركيب؛ لأن المجاز في الإفراد هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، والمحذوف لم يستعمل البتة، بل الحاصل هو إسناد السؤال إلى القرية، وهو شأن المجاز الإسنادي، ويظهر أن يكون هذا النوع المتقدم وهو المجاز بالزيادة كذلك أيضا؛ لأن الزائد لم يستعمل في شيء البتة، ويقتضي كلام المحصول أن هذين القسمين من مجاز الإفراد. الثاني عشر: لتعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول واسم الفاعل، فإن كلا منهما يطلق على الآخر مجازا، فيدخل فيه ستة أقسام أحدها: إطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول، كقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أي: مدفوق ومنه قولهم: سر كاتم أو مكتوم، الثاني: عكسه كقوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] أي: ساترا وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أي: آتيا على بعض الأقوال. الثالث: إطلاق المصدر على اسم الفاعل كقولهم: رجل صوم وعدل أي: صائم وعادل. الرابع: عكسه كقولهم: قم قائما، واسكت ساكتا أي: قياما وسكوتا. الخامس: إطلاق اسم المفعول على المصدر كقوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أي: الفتنة. السادس: عكسه وعليه اقتصر المصنف كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوق الله، وقوله تعالى: ﴿لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي من معلوماته، ولك أن تقول: هذا من باب إطلاق اسم الجزء وإرادة الكل؛ لأن المشتق منه جزء من المشتق. واعلم أن ابن الحاجب ذكر خمسة أقسام فقط وهي في الحقيقة أربعة، وحذف ما عداها مما ذكر في هذا الفصل من الأقسام والتقارير.
[ ١٣٢ ]