قال: "الباب الرابع: في المجمل والمبين، وفيه فصول الأول: في المجمل، وفيه مسائل، الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملا بين حقائقه كقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أو إفراد حقيقة واحدة مثل: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت، فإن ترجح واحد لأنه أقرب إلى الحقيقة كنفي الصحة من قوله: "لا صلاة" و"لا صيام" أو لأنه أظهر عرفا أو أعظم مقصودا كرفع الحرج، وتحريم الأكل من "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ حمل عليه". أقول: سبق في تقسيم الألفاظ تعريف المجمل لغة واصطلاحا، والإجمال لا يتصور إلا في معان متعددة، وحينئذ فالمجمل على أقسام أحدها: أن يكون مجملا بين حقائقه أي: بين معان وضع اللفظ لكل منها، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن القرء موضوع بإزاء حقيقتين وهما الحيض والطهر. الثاني: أن يكون مجملا بين أفراد حقيقة واحدة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها أفراد، والمراد: واحدة معينة منها كما سيأتي في الفصل الثاني. الثالث: أن يكون مجملا بين مجازاته، وذلك إذا انتفت الحقيقة أي: ثبت عدم إرادتها وتكافأت المجازات أي: لم يترجح بعضها على بعض، فإن لم يدل دليل على عدم إرادة الحقيقة تعين الحمل عليها، ولا إهمال إلا إذا عارضها مجاز راجح، فإن فيه الخلاف المعروف وقد ذكره المصنف قبيل الحقيقة والمجاز واختار التساوي. فعلى اختياره هو قسم آخر من المجمل، ولم يتعرض له هناك اكتفاء بما ذكره هناك، ثم إن المجمل قد يكون بواسطة الإعلان كالمختار، فإنه صالح لاسم الفاعل، واسم المفعول، وبواسطة التركيب كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]
[ ٢٢٥ ]
فإن الذي بيده العقدة محتمل الزوج والولي، وبواسطة مرجع الصفة نحو: زيد طبيب ماهر، فإن الماهر يحتمل أن يرجع إلى زيد وإلى الطبيب، والمعنى يختلف، وبواسطة تعدد مرجع الضمير نحو: ضرب زيد عمر أو أكرمني، وبواسطة استثناء المجهول كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وهذه الأقسام قد ذكرها ابن الحاجب ما عدا الأخير، وكلام المصنف صالح لها. نعم المجمل قد يكون فعلا أيضا كما إذا قال النبي -ﷺ- من الركعة الثانية، فإنه يحتمل أن يكون عن تعمد فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن سهو فلا يدل عليه، وهذا القسم ذكره ابن الحاجب وغيره، وهو يرد على المصنف فإنه جعل مورد التقسيم هو اللفظ، فقال: اللفظ إما أن يكون إلخ، واختلفوا في جواز بقاء الإجمال بعد وفاة الرسول -﵊- قاله في البرهان بعد حكاية هذا الخلاف. والمختار أنه إن تعلق به حكم تكليفي فلا يجوز، وإلا فيجوز. قوله: "فإن ترجع" أي: بعض المجازات، وجواب هذا الشرط هو قوله بعد ذلك: حمل عليه، ثم ذكر للرجحان ثلاثة أسباب، أحدها: أن يكون أقرب إلى الحقيقة من المجاز، والآخر كقوله ﵊: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ١، وقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ٢ فإن حقيقة هذا اللفظ إنما هو الإخبار عن نفي ذات الصوم والصلاة عند انتفاء الفاتحة والتبييت، وهذه الحقيقة غير مرادة للشارع؛ لأنا نشاهد الذات قد تقع بدون ذلك فتعين الحمل على المجاز، وهو إضمار الصحة أو الكمال، وإضمار الصحة أرجح لكونه أقرب إلى الحقيقة، فحملنا اللفظ عليه، وبيان القرب أن الحقيقة هو نفي الذات كما تقدم ونفي الذات يستلزم انتفاء جميع الصفات، ونفي الصحة أقرب إليه في هذا المعنى من نفي الكمال؛ لأنه لا يبقى مع نفي الصحة وصف بخلاف نفي الكمال، فإن الصحة تبقى معه، ولك أن تقول: إن هذا التقرير معارض بأن نفي الكمال متيقن دون نفي الصحة، وبأن فيه تقليلا للإضمار والتجوز المخالف للأصل. واعلم أن ما قاله المصنف هنا غير مستقيم، ولم يذكره الإمام ولا أحد من أتباعه؛ وذلك لأن المذكور في المحصول مذهبان، أحدهما ما قاله أبو عبد الله البصري: أن المنفي الداخل مطلقا مجمل، سواء كان شرعيا نحو: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو لغويا نحو: لا عمل إلا بالنية؛ لأن الذات غير منتفية وليس بعض المجازات بأولى من بعض. والثاني ونقله عن الأكثرين: أن النفي إن كان اسما شرعيا كالصوم والصلاة فلا إجمال؛ لأن انتفاء المشروع ممكن بفوات شرطه أو جزئه، وقد أخبر الشارع به، وإن كان لغويا فإن كان له حكم واحد فلا إجمال أيضا وينصرف النفي إليه كقولنا: لا إقرار لمن أقر بالزنا مكرها، فإن هذا النفي لا يمكن صرفه إلى نفس الإقرار لوجوده، ولا صرفه إلى الاستحباب لأنه لا
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حجر في فتح الباري "٢/ ٢٥٢"، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين "٣/ ٤٨". ٢ أخرجه الزيلعي في نصب الراية "١/ ٤٣٣".
[ ٢٢٦ ]
مدخل له في الإقرار بالزنا، فإن الشخص يستحب له أن يستر على نفسه ولا يقر، فتعين صرفه إلى الصحة، وإن كان له حكمان: الفضيلة والجواز، فليس أحدهما أولى من الآخر فتعين الإجمال، ثم مثل له الإمام بقولنا: لا عمل إلا بنية، وقال: لقائل أن يقول: صرفه إلى الصحة أولى لأنه أقرب إلى الحقيقة، هذا حاصل كلام المحصول، وعبر في الحاصل عن قول الإمام، ولقائل أن يقول بقوله وعندي، واستفدنا من هذا الكلام كله أن ما ليس بشرعي كالعمل يكون مجملا خلافا لما مال إليه الإمام من حمله على الصحة وقد تبعه عليه الآمدي وابن الحاجب، وصححاه أعني الحمل على الصحة، واستفدنا منه أيضا أن الشرعي فيه مذهبان أحدهما: الإجمال، والثاني: حمله على الحقيقة وهو رأي الأكثرين واختاره أيضا الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، فأما ما قاله المصنف من كونه ليس مجملا ولا محمولا على الحقيقة الشرعية بل على المجاز الأقرب إلى نفي الذات فخارج عن القولين معا، ولا شك أنه توهم أن بحث الإمام عائد إلى الكل لكونه ذكره في آخر المسألة، وإنما ذكره في الاسم اللغوي فقط، نعم يستقيم ما قاله المصنف إذا أنكرنا الحقائق الشرعية كما قاله الآمدي وابن الحاجب. السبب الثاني من الأسباب المرجحة لأحد المجازات: أن يكون أظهر عرفا كقوله -﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فإن حقيقة اللفظ ارتفاع نفس الخطأ وهو باطل لاستحالة رفع الشيء بعد صدوره، فتعين حمله على المجاز بإضمار الحكم، أو الحرج يعني الإثم ويرجح. الثاني يعني الإثم لكونه أظهر عرفا؛ لأن السيد لو قال لعبده: رفعت عنك الخطأ، لتبادر إلى الفهم منه نفي المؤاخذة. الثالث: أن يكون أعظم مقصودًا كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فإن حقيقة اللفظ تحريم نفس العين كما قال به بعضهم لكنه باطل قطعا، فإن الأحكام الشرعية لا تتعلق إلا بالأفعال المقدورة للمكلفين، والعين ليست من أفعالهم فتعين الصرف إلى المجاز بإضمار الأكل أو البيع أو اللمس أو غيرها، ويرجح الأكل بكونه أعظم مقصودا عرفا فحمل اللفظ عليه، والمثالان الأخيران ذكرهما المصنف بطريق اللف والنشر، وحكى الإمام عن بعضهم أنهما مجملان أيضا. قال: "الثانية: قالت الحنفية: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ مجمل، وقالت المالكية: يقتضي الكل، والحق أنه حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم دفعا للاشتراك والمجاز. الثالثة: قيل: آية السرقة مجملة؛ لأن اليد تحتمل الكل والبعض، والقطع الشق والإبانة، والحق أن اليد للكل وتذكر للبعض مجازا، والقطع للإبانة، والشق إبانة". أقول: اختلفوا في إجمال قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فقالت الحنفية: إنه مجمل؛ لأنه يحتمل مسح الجميع ومسح البعض احتمالا على السواء، وقد بينه ﵊ فمسح بناصيته ومقدارها الربع فكان الربع واجبا، وقال غيرهم: لا إجمال فيها، ثم اختلفوا فقالت المالكية: إنها تقتضي مسح الجميع؛ لأن الرأس حقيقة في الكل قال المصنف: الحق أن
[ ٢٢٧ ]
مسح الرأس حقيقة فيما ينطلق عليه اسم المسح، وهو القدر المشترك بين الكل والبعض؛ لأن هذا التركيب تارة يأتي لمسح الكل وهو واضح، وتارة يأتي لمسح البعض كما يقال: مسحت يدي برأس اليتيم، وإن لم يمسح منها إلا البعض، فإن جعلناه حقيقة في كل منهما لزم الاشتراك، وإن جعلناه حقيقة في أحدهما فقد لزم المجاز في الآخر، فجعله حقيقة في القدر المشترك دفعا للمحذورين، قال في المحصول: وهذا هو قول الشافعي ثم نقل عن بعض الشافعية أن الباء تدل على التبعيض، فلذلك اكتفينا بالبعض، ولم يذكر المصنف هذا المذهب هنا مع أنه قد جزم به في الفصل المعقود للحروف، والإمام إن كان قد جزم به هناك لكنه لم يصرح بعكسه هنا كما صرح به المصنف بل نقله عن الشافعي فقط. المسألة الثالثة: ذهب بعضهم إلى أن آية السرقة وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] مجملة في اليد والقطع؛ لأن اليد تحتمل العضو كله أي: من المنكب إلى رءوس الأصابع، وتحتمل بعضه أيضا لأنها تطلق على كل منهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة، والقطع يحتمل الشق يعني الجرح كقولنا: فلان برى القلم فقطع يده أي: جرحها ويحتمل أيضا الإبانة وهو فصل العضو كقولنا: سرق فقطعت يده. قوله: "القطع الشق" أي: يحتمل الشق، قال المصنف: والحق أنه ليس فيها إجمال لا من جهة اليد ولا من جهة القطع أما اليد فنقول: إنها حقيقة في الكل وتذكر للبعض بطريق المجاز بدليل قولنا في البعض: إنه ليس كل اليد، وأما القطع فهو حقيقة في الإبانة، ولا شك أن الشق أي: الجرح إبانة أيضا؛ لأن فيه إبانة بعض أجزاء اللحم عن بعض فيكون متواطئا.
[ ٢٢٨ ]