قال: "الفصل الثاني في المحكوم عليه وفيه مسائل: الأولى: أن المعدوم يجوز الحكم عليه، كما أنا مأمورون بحكم الرسول -﵊- قيل: الرسول قد أخبر أن من سيولد فإن الله تعالى سيأمره، قلنا: أمر الله تعالى في الأول معناه أن فلانا إذا وجد فهو مأمور بكذا قيل: الأمر في الأزل ولا سامع ولا مأمور عبث بخلاف أمر الرسول -﵊- قلنا: مبني على القبح العقلي، ومع هذا فلا سفه في أن يكون في النفس
[ ٦٢ ]
طلب التعلم من ابن سيولد". أقول: لما فرغ من الكلام في الحاكم انتقل إلى المحكوم عليه وذكر فيه أربع مسائل، الأولى: في جواز الحكم على المعدوم ولنقدم عليه مقدمة فنقول: اختلفوا في معنى كونه تعالى متكلما فقالت المعتزلة: معناه أنه خالق الكلام، فعلى هذا يكون الكلام عندهم من صفات الأفعال يوجد فيما لا يزال، وقالت الحنابلة: كلامه تعالى عبارة عن الحروف والأصوات وهي قديمة، وأنكروا كلام النفس، وقال الأشعري وأتباعه: إنه صفة قديمة قائمة بذاته، لا أول لوجودها وهو صفة واحدة في نفسه لا تعدد فيه بحسب ذاته، بل بحسب الإضافات وهو مع وحدته أمر ونهي وخبر ونداء، وانقسامه إلى هذه الأشياء بحسب متعلقاته، فإنه إن تعلق بطلب الفعل كان أمرا، أو بطلب الترك كان نهيا، فكونه أمرا أو نهيا أوصاف لا أنواع، كما أن الجوهر في نفسه واحد وإن كان مشتملا على أوصاف كالتحيز والقيام بنفسه، والقبول للأعراض، إذا عرف هذا فنقول: لما كان الحكم عند الأشاعرة هو خطاب الله بنفسه، والقبول للأعراض، إذا عرف هذا فنقول: لما كان الحكم عن الأشاعرة هو خطاب الله تعالى، كما تقدم، وخطاب الله تعالى هو كلامه الأزلي كما بيناه لزمهم أن يقولوا: إن الأمر والنهي ثابتان في الأزل، وليس ثم مأمور ولا منهي فلذلك قالوا: المعدوم يجوز الحكم عليه وهذه هي عبارة المصنف، وهي أحسن من قول الإمام: المعدوم يجوز أن يكون مأمورا؛ لأن الحكم أعم، قال في المحصول: وليس معنى كون المعدوم مأمورا أنه يكون مأمورا حال عدمه؛ لأنه معلوم البطلان بل على معنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودا في الحال، ثم إن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك يصير مأمورا بذلك الأمر هذا لفظه، وذكر الآمدي نحوه فقال: معناه قيام الطلب القديم بذات الرب ﷾ للفعل من المعدوم بتقديم وجوده، وتهيئه لفهم الخطاب، فإذا وجدوا تهيؤا للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب، قال: وأنكره سائر الفرق، لنا أن الواحد منا حال وجوده يصير مأمورا بأمر الرسول -﵊- مع أن ذلك الأمر ما كان موجودا إلا حالة عدمنا فكذلك في حق الله تعالى، اعترض الخصم على هذا الدليل فقال: إن الرسول ﵊ مخبر ومبلغ عن الله تعالى أوامره، إما بالوحي، أو بالاجتهاد، وليس هو بمنشئ الأوامر من عنده، فالأمر الوارد منه إخبار عن الله تعالى بأنه سيأمرهم عند وجودهم، فلم يحصل الأمر عند عدم المأمور، بخلاف دعواكم في أمر الله تعالى، والجواب: أن أمر الله تعالى في الأزل عبارة عن الإخبار أيضا؛ لأن معناه أن فلانا إذا وجد بشروط التكليف، صار مكلفا بكذا.
واعلم أن كون الأمر معناه الإخبار، نقله في المحصول والمنتخب هنا عن بعض الأصحاب، فجزم به صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليه، وقد صرح بإبطاله الكتابين المذكورين في أوائل الأوامر والنواهي في الكلام على أن الطلب غير الإرادة، نعم جزم بعكس ذلك وموافقة كلام المصنف في المحصول في الكلام عن تكليف ما لا يطاق، وفي الأربعين في المسألة السابعة عشرة، وفي معالم أصول الدين في المسألة الثامنة
[ ٦٣ ]
عشرة، قال في المحصول هنا: وهو مشكل من وجهين أحدهما: أنه لو كان خبرًا لتطرق إليه التصديق والتكذيب والأمر لا يتطرق إليه ذلك، الثاني: أنه لو أخبر في الأزل لكان إما أن يخبر نفسه وهو سفه أو غيره، وهو محال لأنه ليس هناك غيره، قال: ولصعوبة هذا المأخذ ذهب عبد الله بن سعيد١ من أصحابنا إلى أن كلام الله تعالى في الأزل لم يكن أمرا ولا نهيا، ثم صار فيما لا يزال كذلك، ولقائل أن يقول: إنا لا نعقل من الكلام إلا الأمر والنهي والخبر، فإذا سلمت حدوثها فقد قلت بحدوث الكلام، فإن ادعيت قدم شيء آخر فعليك بإفادة تصوره، ثم إقامة الدليل على أن الله تعالى موصوف به، ثم إقامة الدليل على قدمه، ولابن سعيد أن يقول: أعني بالكلام القدر المشترك بين هذه الأقسام كلام المحصول.
واعلم أن الإمام لما ذكرنا أن أمر الله تعالى معناه الإخبار، جعله عبارة الإخبار بنزول العقاب على من يترك، ثم استشكله بالوجهين السابقين، وبأنه يلزم أن لا يجوز العفو؛ لأن الخلف في خبر الله تعالى محال فعدل المصنف عن كونه إخبارا بنزول العقاب إلى الإخبار بمصيره مأمورا تقليلا للإشكال؛ لأن سؤال العفو لا يرد عليه، وإنما يرد عليه الأولان فقط، وهو من محاسن كلامه، على أنا نجيب عن العفو بأن نقول: الأمر عبارة عن الإخبار بنزول العقاب إذا لم يحصل عفو. وقوله: "قيل: الأمر في الأزل إلخ" لما شبهنا أمر الله تعالى في الأزل بأمر الرسل لنا قبل وجودنا، اعترضوا عليه بما سبق فأجبنا عنه، فشرعوا في فرق آخر بينهما فقالوا: كيف يعقل الأمر في الأزل، سواء كان بمعنى الإخبار أم بمعنى الإنشاء؛ لأن الأمر في الأزل مع أنه لا مأمور إذ ذاك فيمتثل ولا سامع فينتقل، عبث وسفه كمن جلس في داره وأمر ونهى من غير حضور مأمور ومنهي، بخلاف أمر الرسول -﵊- فإن هناك سامعا مأمورا يعمل به وينقله إلى المأمورين المتأخرين، ويحتمل أن يريد بقوله: ولا سامع أي: إن جعلناه خبرا، وبقوله: ولا مأمور أي: جعلناه أمرا حقيقة، والجواب عنه: أن نقول: إن أردتم أنه قبيح شرعا فممنوع، وإن أردتم أنه قبيح عقلا فمسلم، ولكنا قد بينا فساد الحسن والقبح العقليين، ومع هذا أي: ومع تسليمنا القول بالتقبيح العقلي فلا سفه في مسألتنا، وذلك لأنه ليس المراد بالأمر أن يكون في الأزل لفظ هو أمر أو نهي، بل المراد معنى قويم قائم بذات الله تعالى وهو اقتضاء الطاعة من العباد وأن العباد إذا وجدوا يصيرون مطالبين بذلك الطلب، وهذا لا سفه فيه كما لا سفه في أن يقوم بذات الأب طلب تعلم العلم من الولد الذي سيوجد، وما قاله المصنف ضعيف من وجهين: أما الأول فلأن الحسن والقبح بمعنى الكمال، والنقص عقليان باتفاق، كما تقدم بسطه في أول الفصل الذي قبل هذا، والقبح هنا بمعنى النقص لا بمعنى ترتب الثواب والعقاب على الفعل، فإن وروده هنا مستحيل، وأما الثاني فلا نسلم أنه يقوم بذات الأب حال عدم الولد أمر محقق بل مقدر، أي: لو كان لي ولد لكنت آمره.
_________________
(١) ١ عبد الله بن سعيد بن كلاب، أبو محمد القطان، متكلم من العلماء يقال له: ابن كلاب، قال السبكي: وكلاب بضم الكاف وتشديد اللام، قيل: لقب بهذا؛ لأنه كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا ناظر عليه، مثل ما يجتذب الكلاب الشيء، له كتب منها: الصفات وخلق الأفعال، والرد على المعتزلة توفي سنة "٢٤٥هـ" "الأعلام: ٤/ ٩٠".
[ ٦٤ ]