قال: "المسألة الثالثة: اسم الفاعل لا يشتق لشيء والفعل لغيره للاستقراء، قالت المعتزلة: الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في الجسم كما أنه الخالق، والخلق هو المخلوق فقلنا: الخالق هو التأثير قالوا: إن قدم العالم وإلا لافتقر إلى خلق آخر وتسلسل، قلنا: هو نسبة، فلم يحتج إلى تأثير آخر" أقول: لا يجوز إطلاق اسم الفاعل على شيء والفعل أي: المصدر والمشتق منه قائم بغير ذلك الشيء، بل يجب بمقتضى اللغة إطلاق ذلك المشتق على الذي قام به؛ لأنا استقرأنا اللغة فوجدنا الأمر كذلك، وخالفت المعتزلة في المسألتين فقالوا: الله ﵎ يصدق عليه أنه متكلم والكلام المشتق منه لا يقوم به؛ لأن الكلام النفساني باطل، ولا كلام إلا الحروف والأصوات وهي مخلوقة، فلو قامت بذاته تعالى لكانت ذاته تعالى محلا للحوادث بل يخلق الله تعالى ذلك الكلام في اللوح المحفوظ، أو في غيره من الأجسام كخلقه تعالى إياه في الشجرة حين كلم موسى، وذلك الجسم لا يسمى متكلما وإن قام به الكلام، وذكر الأصوليون هذه القاعدة ليردوا بها على المعتزلة في هذه المسألة، ثم استدلت المعتزلة على مذهبهم بأن الخالق يطلق على الله تعالى وهو مشتق من الخلق والخلق هو المخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ المخلوق ليس قائما بذاته، والجواب: أنه إنما أطلق المتكلم على الله تعالى باعتبار الكلام النفساني القائم بذاته كما تقدم في الحكم على المعدوم واستدلالكم بالخلق باطل بأن الخلق ليس هو المخلوق بل هو تأثير الله تعالى في المخلوق والتأثير قائم بذات الله تعالى، وأما الإطلاق الواقع في الآية فهو مجاز من باب تسمية المتعلق باسم المتعلق كما سيأتي في قول المصنف، والمتعلق كالخلق للمخلوق. قوله: قالوا: إن قدم أي: قالت المعتزلة: لا جائز أن يكون الخلق هو التأثير؛ لأنه إن كان قديما لزم قدم العالم، وإن كان حادثا لزم التسلسل وكلاهما محال. بيان الأول من ثلاثة أوجه أحدها: أن المؤثر ﷾ قديم والتأثير قد فرضناه قديما، وإذا وجد المؤثر والتأثير استحال تخلف الأثر وهو العالم فيلزم من وجودهما في الأزل وجود العلم. الثاني: أن العالم هو ما سوى الله تعالى والتأثير غير الله تعالى، فلو كان قديما لكان العالم قديما. الثالث: أن التأثير نسبة والنسبة متوقفة على المنتسبين، وهما الخالق والمخلوق، فلو كانت قديمة مع أنها متوقفة على المخلوق لكان المخلوق قديما من طريق الأولى، وأما بيان الثاني وهو التسلسل فلأن التأثير إذا كان حادثا فهو محتاج إلى خلق آخر أي تأثير آخر؛ لأن كل حادث لا بد له من تأثير مؤثر فيعود الكلام إلى ذلك التأثير، ويتسلسل وهذه الشبهة لا جواب عنها في المحصول ولا في الحاصل، وقد أجاب المصنف بأن التأثير نسبة فلم يحتج إلى تأثير
[ ١٠٢ ]
آخر وتقريره من وجهين أحدهما: أن النسب والإضافات كالبنوة والأخوة أمور عدمية لا جود لها في الخارج، وإنما هي أمور اعتبارية أي: يعتبرها العقل، فلا تحتاج إلى مؤثر. الثاني: أن النسبة متوقفة على المنتسبين فقط فإذا حصلا حصلت، وتحتاج إلى مؤثر آخر، وهذا الجواب فيه التزام لحدوث التأثير، والجواب الأول مانع للحدوث والقدم معا؛ لأنهما من صفات الوجود، وقد فرضناه معدوما وأجاب في التحصيل بجوابين، أحدهما: أن الممتنع إنما هو تقدم النسبة على محلها وأما ثبوتها مع محلها عند عدم المنسوب إليه فلا استحالة فيه. ألا ترى أن تقدم البارئ على العالم نسبة بينه وبين العالم، ويستحيل القول بتوقف وجودها على المنتسبين. الثاني: أن المحال من التسلسل إنما هو التسلسل في المؤثرات والعلل، وأما التسلسل في الأثر فلا نسلم أنه ممتنع وهذا التسلسل إنما هو في الآثار. قال الأصفهاني في شرح المحصول: وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها، وهو باطل على رأينا، وهذه المسألة لا ذكر لها في المنتخب قال.
[ ١٠٣ ]