الحمد لله الذي مهد أصول شريعته بكتابه القديم الأزلي، وأيد قواعدها بسنة نبيه العربي، وشيد أركانها بالإجماع المعصوم من الشيطان القوي، وأعلى منارها بالاقتباس من القياس الخفي والجلي وأوضح طرائقها بالاجتهاد في الاعتماد على السبب القوي، وشرع للقاصر على مرتبتها استفتاء من هو بها قائم ملي وصلواته وسلامه على سيدنا محمد المبعوث إلى القريب والبعيد والشريف والدني وعلى آله وأصحابه أولي كل فضل سني وقدر علي.
"وبعد" فإن أصول الفقه علم عظيم قدره. وبين شرفه وفخره. إذ هو قاعدة الأحكام الشرعية. وأساس الفتاوى الفرعية. التي بها صلاح المكلفين معاشا ومعادا ثم إن أكثر المشتغلين به في هذا الزمان قد اقتصروا من كتبه على المنهاج للإمام العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي ﵁ لكونه صغير الحجم كثير العلم مستعذب اللفظ، وكنت أيضا ممن لازمه درسا وتدريسا فاستخرت الله تعالى في وضع شرح عليه موضح لمعانيه، مفصح عن مبانيه، محرر لأدلته مقرر لأصوله، كاشف عن أستاره، باحث عن أسراره، منبها فيه على أمور أخرى مهمة. "أحدها" ذكر ما يرد عليه من الأسئلة التي لا جواب عنها أو عنها جواب ضعيف. "الثاني" التنبيه على ما وقع فيه من غلط في النقل. "الثالث" تبيين مذهب الشافعي بخصوصه ليعرف الشافعي مذهب إمامه في الأصول، فإن ظفرت بالمسألة فيما وقع لي من كتب الشافعي كالأم١ والأمالي٢ والإملاء٣ ومختصر المزني٤
_________________
(١) ١ الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي إمام المذهب الشافعي وهذا الكتاب يمثل جماع مذهب الإمام الشافعي وأحكامه النهائية، وصفه الشافعي في مصر إملاء. ٢ الأمالي وهو أمالي الإمام الشافعي في الفقه، والأمالي هو جمع إملاء وهو أن يقعد عالم حوله تلامذته بالمحابر والقراطيس فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم ويكتب تلامذته فيصير كتابا، ويسمونه الإملاء والأمالي، كذا كان السلف من الفقهاء والمحدثين وأهل العربية "كشف الظنون: ١٦١". ٣ الإملاء هو للإمام الشافعي، وهو في نحو أماليه حجما وقد يتوهم أن الإملاء هو الأمالي وليس كذلك. "كشف الظنون: ١٦٩". ٤ مختصر المزني في فروع الشافعية وهو أحد الكتب الخمس المشهورة بين الشافعية التي يتدوالونها أكثر تداول وهي سائرة في كل الأمصار، كما ذكره النووي في التهذيب، وهي للشيخ الإمام إسماعيل بن يحيى المزني الشافعي"٢٦٤هـ" وهو أول من صنف في مذهب الشافعي "كشف الظنون: ١٦٣٥".
[ ٥ ]
ومختصر البويطي١ نقلتها منه بلفظها غالبا مبينا الكتاب الذي هي فيه، ثم الباب، وإن لم أظفر بها في كلامه عزوتها إلى ناقلها عنه. "الرابع" ذكر فائدة القاعدة من فروع مذهبنا في المسائل المحتاجة إلى ذلك. "الخامس" التنبيه على المواضع التي خالف المصنف فيها كلام الإمام أو كلام الآمدي٢ أو كلام ابن الحاجب٣ فإن كل واحد من هؤلاء قد صار عمدة التصحيح يأخذ به آخذون، فإن اضطراب كلام أحد هؤلاء نبهت عليه أيضا. "السادس" ما ذكره الإمام وابن الحاجب من الفروع الأصولية وأهمله المصنف فأذكره مجردا عن الدليل غالبا. "السابع" التنبيه على كثير مما وقع فيه الشارحون من التقريرات التي ليست مطابقة وقد كنت قصدت التصريح بكل ما ذكروه منها، فرأيت الاشتغال به يطول لكثرته حتى رأيت في بعض شروحه المشهورة ثلاثة مواضع يلي بعضها بعضا؛ فلذلك أضربت على كثير منها فلم أذكره البتة اكتفاء بتقرير الصواب وأشرت إلى كثير منها إشارة لطيفة وصرحت بمواضع كثيرة منها. "الثامن" التنبيه على فوائد أخرى مستحسنة كنقول غريبة وأبحاث نافعة وقواعد مهمة إلى غير ذلك فيما ستراه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن المصنف ﵀ أخذ كتابه من الحاصل٤ للفاضل تاج الدين الأرموي، والحاصل أخذه مصنفه من المحصولات للإمام فخر الدين، والمحصول٥ استمداده من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالبا أحدهما
_________________
(١) البويطي: أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، من بويطة وهي قرية من صعيد مصر الأدنى، كان خليفة الشافعي في حلقته بعده "طبقات الشافعية: ١/ ٢٢". ٢ الآمدي هو الإمام سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر الآمدي المذكور في الأبكار، المتوفى سنة ٣١٦هـ "كشف الظنون: ١٨٥٧" وله كتب في علم الأصول وغيره من العلوم، منها: منتهى السول في الأصول، وغيره. ٣ ابن الحاجب هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين بن الحاجب، فقيه مالكي، من كبار علماء العربية، كردي الأصل ولد في إسنا "من صعيد مصر" ونشأ في القاهرة وسكن دمشق، ومات بالإسكندرية وكان أبوه حاجبا فعرف به، من تصانيفه "الكافية في النحو، والشافعية في الصرف، مختصر الفقه، ومنتهى السول والأمل في الأصول، وغيرها من الكتب، توفي سنة "١٤٦هـ". "الأعلام: ٢/ ٢١١". ٤ الحاصل في مختصر المحصول في الأصول، وهو للقاضي تاج الدين محمد بن حسين الأرموني، المتوفى سنة ٦٥٦هـ، كما ذكره الإسنوي والسيوطي، "كشف الظنون: ١٦١٥". ٥ المحصول في أصول الفقه، لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، وهو الإمام المفسر، أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل، ولد في الري ونسبته إليها، رحل إلى خوارزم وتوفي في هراة سنة "٦٠٦هـ" من تصانيفه مفاتيح الغيب في التفسير، والمطالب العالية، ونهاية العقول في دراية الأصول، وكتب أخرى في مختلف العلوم، "كشف الظنون: ١٦١٥، والأعلام: ٦/ ٣١٣".
[ ٦ ]
المستصفى١ لحجة الإسلام الغزالي، والثاني المعتمد لأبي الحسين البصري٢، حتى رأيته ينقل منهما الصفة أو قريبا منها بلفظها وسببه على ما قيل أنه كان يحفظهما، فاعتمدت في شرحي لهذا الكتاب مراجعة هذه الأصول طلبا لإدراك وجه الصواب في المنقول منه والمعقول، وحرصا على إيراد ما فيه على وفق مراد قائله، فإنه ربما خفي المقصود أو تبادر غيره فيتضح بمراجعة أصل من هذه الأصول المذكورة، ولم أترك جهدا في تنقيحه وتحريره، فإنني بحمد الله شعرت فيه خليا من المواقع والعوائق منقطعا عن القواطع والعلائق، فصار هذا الشرح عمدة في الفن عموما، وعمدة في معرفة مذهب الشافعي فيه خصوصا، وعمدة في شرح هذا الكتاب وسعيت سعيي في إيضاح معانيه، وبذلت وسعي في تسهيله لمطالعيه بحيث لا يتعذر فهمه على المبتدئ، ولا يبطئ إدراكه على المنتهي، وسميته: "نهاية السول في شرح منهاج الأصول" وأسأل الله أن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه والناظر فيه وجميع المسلمين بمنه وكرمه آمين.
_________________
(١) ١ المستصفى في أصول الفقه للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة "٥٠٥هـ" يقول عن هذا الكتاب: فاقترح علي طائفة من محصلي علم الفقه تصنيفا في الأصول أطلق العنان فيه بين الترتيب والتحقيق على وجه يقع في الحجم دون تهذيب الأصول، وفوق كتاب المنخول، ورتبناه على مقدمة، وأربعة أقطاب". "كشف الظنون: ١٦٧٣". ٢ المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي المتوفى سنة "٤٦٣هـ"، وهو كتاب كبير ومنه أخذ الفخر الرازي كتاب المحصول "كشف الظنون: ١٧٣٢".
[ ٧ ]