الكتاب الأول:
قال: "الكتاب الأول في الكتاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة ومعرفة أقسامها، وهو ينقسم إلى: أمر ونهي وعام وخاص ومجمل ومبين وناسخ ومنسوخ، وبيان ذلك في أبواب" أقول: قد تقدم في أول الكتاب أنه مرتب على مقدمة وسبعة كتب، وتقدم وجه الاحتياج إلى ذلك ومناسبة تقديم بعضها على بعض، فلما فرغ من المقدمة ذكر الكتاب الأول المعقود للكتاب العزيز، ويعني به الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه، فخرج بالمنزل الكلام النفساني وكلام البشر، وبقولنا: للإعجاز، الأحاديث وسائر الكتب المنزلة كالإنجيل، وقولنا: بسورة نريد به أن الإعجاز يقع بأقصر سورة كالكوثر، والإعجاز هو قصد إظهار صدق النبي في دعوى الرسالة بفعل خارق للعادة، ولما كان الكتاب العزيز واردا بلغة العرب كان الاستدلال به متوقعا على معرفة اللغة ومعرفة أقسامها؛ فلذلك ذكر مباحث اللغة وأقسامها في هذا الكتاب. ثم إن الكتاب العزيز ينقسم إلى خبر وإنشاء لكن نظر الأصولي في الإنشاء دون الإخبار لعدم ثبوت الحكم بها غالب؛ فلذلك قسمه إلى أمر ونهي وعام وخاص ومجمل ومبين وناسخ ومنسوخ فقوله: وهو ينقسم أي: الكتاب العزيز فأطلقه وأراد به قسم الإنشاء منه، ولكن هذا التقسيم ليس خاصا بالكتاب بل السنة أيضا كذلك، وكان المصنف استغنى عن
[ ٧٧ ]
ذكره هناك بذكره هنا، ولأجل هذه الأقسام انحصرت أبواب هذا الكتاب على خمسة أبواب، الأول: في اللغات، والثاني: في الأوامر والنواهي، والثالث: في العموم والخصوص، والرابع: في المجمل والمبين، والخامس: في الناسخ والمنسوخ، ثم ذكر الإمام في المحصول مناسبة تقديم بعض هذه الأبواب على بعض، وأخذه ﵀ من أبي الحسين البصري، فإني رأيته مذكورا في شرح العمد له، وحاصله أنه إنما قدم باب اللغات؛ لأن التمسك بالأدلة القولية إنما يمكن بواسطة معرفتها، وأنه قدم باب الأوامر والنواهي على الثلاثة الباقية؛ لأن تقسيم الكلام إلى الأوامر والنواهي تقسيم له باعتبار ذاته إلى أنواعها، وانقسامه إلى العام والخاص والمجمل والمبين تقسيم له باعتبار عوارضه كتقسيم الحيوان إلى الأبيض والأسود، فإن البياض والسواد ليسا من الأجزاء الذاتية؛ لأن ماهية الحيوان ليست مركبة منهما فهما عارضان بخلاف انقسامه إلى الإنسان والفرس، فقدمنا ما هو بحسب الذات على ما هو بحسب العرض، وإنما قدم باب العموم والخصوص على البابين الباقيين؛ لأن النظر في العموم والخصوص نظر في متعلق الأمر والنهي، والنظر في المجمل والمبين نظر في كيفية دلالة الأمر والنهي على ذلك المتعلق، ولا شك أن المتعلق بالشيء متقدم على النسبة العارضة بين الشيء ومتعلقه، وإنما قدم باب المجمل والمبين على النسخ؛ لأن النسخ يطرأ على ما هو ثابت بأحد الوجوه المذكورة، وذكر المصنف في الباب الأول تسعة فصول.
[ ٧٨ ]