في تقسيم دلالة الألفاظ المفردة بحسب المطابقة
فهو من وجوه:
الأول: اعلم أن دلالة اللفظ على تمام مسماه هي المطابقة كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وعلى جزئه هي التضمن، كدلالته على الحيوان وحده، وعلى الناطق وحده، وعلى لازمه الخارج عن مسماه هي الالتزام، كدلالته على الكاتب أو الضاحك والنعه في الكل من حيث هو كذلك، احترازا عن اللفظ المشترك بين الجزء والكل واللازم والملزوم.
أما الأول: فهو كالإمكان العام والخاص، والعام جزء من الخاص فإذا أطلق وأريد به الخاص فقد دل على العام بطريق التضمن هو تمام مسماه أيضا: فيصدق عليه أنه دل على تمام مسماه، فلو لم يقيد الدلالة بالقيد المذكور لزم أن تكون دلالة التضمن دلالة المطابقة وهو خلف.
وأما الثاني: فمثل فعيل المشترك بين الفاعل والمفعول، كالرحيم فإنه قد يكون بمعنى المرحوم كما يكون بمعنى الراحم نص عليه الجوهري، وهو دال على
[ ١ / ١٢١ ]
أحدهما بطريق المطابقة دل على الآخر بطريق الالتزام لكونه لازما له، وهو أيضا: تمام مسماه فيصدق عليه أنه دل على تمام مسماه، فلو لم يقل: من حيث هو كذلك لزم أن تكون دلالة الالتزام دلالة المطابقة، فلم يكن التعريف مانعا.
تنبيهات:
الأول: منهم من لم يقيد دلالة المطابقة بالقيد المذكور وقيد الباقين، لا لأنه لا حاجة إليه في المطابقة، فإن الحاجة إليه بينة لما ذكرنا وكيف يتوهم ذلك؟ فإنه كما/ (١٧/أ) يحتاج إليه لدفع النقض في التضمن والالتزام عند حمل اللفظ المشترك بين الكل والجزء واللازم والملزوم على الجزء واللازم، فكذلك يحتاج إليه في المطابقة "لدفعه عند حمله على الكل والملزوم بل لعله ظن أن دلالة التضمن والالتزام لا يمكن معرفتهما إلا بعد معرفة المطابقة" لكونهما تابعين لها، فلو جعل القيد المذكور جزء من معرفة المطابقة للاحتراز عنهما لزم أن يكونا معلومين قبل المطابقة، فيلزم أن يكون
[ ١ / ١٢٢ ]
الشيء معلوما قبل كونه معلوما وهو محال. ولا يخفى عليك ما فيه.
الثاني: دلالة المطابقة قد تنفك عن التضمن، وذلك حيث يكون مدلول اللفظ بسيطا لا جزء له. وهي ينفك عن دلالة الالتزام، أم لا؟ فالأكثرون علي أنها لا تنفك، لأن كل ماهية لابد وأن يكون له لازم لعله أنه ليس غيره.
ومنهم من جوزوا الانفكاك زاعما أن شرط دلالة الالتزام أن يكون اللازم بحيث يكون تصوره لازما لتصور الملزوم. وهو ممنوع فيما ذكر من اللازم، وهذا لأنه يمكننا أن نعقل الماهية مع الذهول عن الاعتبار المذكور.
[ ١ / ١٢٣ ]
وأما المطابقة ولازمها [فلا وجه] لهما لاستحالة وجود التابع من حيث إنه تابع بدون المتبوع.
الثالث: قيل: الدلالة الحقيقية والوضعية واللفظية هي المطابقة والباقيتان عقليتان ومجازيتان. وهذا ظاهر لا إشكال فيه وإنما وصفنا بكونهما عقليتين، إما لأن العقل يستقل باستعمال اللفظ فيهما من غير افتقار إلى استعمال أهل اللسان اللفظ فيهما، وهذا يستقيم على رأى من لم يعتبر الوضع في المجاز، وإما لأن المتميز بين مدلوليهما وهما الجزء واللازم هو العقل.
وقال: بعضهم دلالة التضمن لفظية أيضا: دون الالتزام، وهو ضعيف، لأنه إن جعل دلالة التضمن لفظية لأجل أن فهم الجزء فيهما إنما هو بواسطة اللفظ فدلالة الالتزام أيضا: كذلك لأن فهم اللازم إنما هو بواسطة اللفظ الدال على الملزوم. وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فهو باطل، أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز فاللازم أيضا: كذلك أن اعتبر الوضع في المجاز وإلا فليس فيهما الوضع، وإن كان لأجل أن الجزء داخل في المسمى واللازم خارج عنه فهو تحكم محض واصطلاح من غير مناسبة على أنه يلزم منه أن تكون الدلالة اللفظية مطلقة عليها بالاشتراك اللفظي، وأنه خلاف الأصل.
الرابع: دلالة اللفظ على المعنى بواسطة الوضع منحصره فيما ذكرنا من الوجوه/ (١٧/ب) الثلاثة. والدليل عليه أن المعنى من دلالة اللفظ على المعنى أن يفهم المعنى عند سماعه، أما وحدة كما في المطابقة، وأما مع القرينة
[ ١ / ١٢٤ ]
كما في التضمن والالتزام، فلو فهم منه معنى عند سماعه ليس هو موضوعه ولا جزء موضوعه ولا لازمه لزم ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح، لأن نسبة ذلك اللفظ إلى ذلك المعنى، كنسبته إلى سائر المعاني ففهمه دون سائر المعاني ترجيح من غير مرجح.
واحترزنا بقولنا: بواسطة الوضع، عن دلالته بواسطة العقل، كدلالته على حياة اللافظ. وقدرته على التكلم عن دلالته بالطبع، كدلالة: أح على الوجع، وأف على الضجر، وعن دلالته بالعرف، كنباح الكلب بالليل على دخول الطارق، فإن هذه الدلالات خارجة عن تلك الدلالة الثالثة.
الخامس: المعتبر في دلالته الالتزام اللزوم الذهني ظاهرا، دون الخارجي، فلأنه لولاه لما فهم المعنى لما تقدم، وإنما قلنا: ظاهرا لأن القطعي غير معتبر وإلا لم يجز إطلاق اسم اليد على القدرة ونحوه، فإن اليد لا تستلزم القدرة قطعا، لأن اليد قد تكون شلاء بل ظاهرًا، وكإطلاق
[ ١ / ١٢٥ ]
اسم "أحد" المتقابلين على الآخر، فإن فهم أحدهما لا يستلزم فهم الآخر قطعا بل ظاهرا [على] الحال، واسم الجزء على الكل إذ المحل غير مستلزم للحال قطعا ولا الجزء للكل، وأما الثاني فلحصول الفهم بدونه كما في الضدين المتقابلين تقابل العدم والملكة، إذ يقال للأعمى بصير وهو عدم البصر عما من شأنه أن يبصر. واستدل الإمام على عدم اعتبار اللزوم الخارجي بوجه آخر، وهو أن الجوهر والعرض يتلازما في الخارج مع أنه لا يستعمل لفظ أحدهما في الآخر.
وهو ضعيف، لأنه لا يلزم من وجود ما يعتبر في وجود الشيء وجوده لجواز أن يكون شرطا أو لازما أعم. والعجب منه، أنه صرح عقيب هذا الاستدلال، أن اللزوم الذهني شرط لا موجب، فبتقدير أن يكون الملزوم
[ ١ / ١٢٦ ]
الخارجي معتبرا كان كذلك، فكيف استدل بوجوده مع عدم الاستعمال على عدم الاعتبار؟. ولنرجع إلى التقسيم.
فنقول: الدال بالمطابقة، إن قصد لكل جزء منه دلالة على كل جزء من المعنى حين هو جزؤه فهو المركب كعبد الله إذا أريد منه النعت، وإن لم يقصد لكل جزء من المعنى حين جرؤه فهو المفرد، وأما [ما] يقصد بأحد جزئي اللفظ دلالة على أحد جزئي المعنى حين هو جزؤه "فهو المفرد/ (١٨/أ) وأما ما يقصد بأحد جزئي اللفظ دلالة على أحد جزئي المعنى وحين هو جزؤه" دون الجزء الآخر، فهو غير واقع، سواء كان له دلالة في غيره، أو لم يكن له دلالة على شيء أصلا، إذ التركيب لا يصار إليه إلا لفائدة، وضم المهمل إلى المستعمل غير مفيد، والذي له دلالة في غير ذلك المعنى مهمل أيضا بالنسبة إلى ذلك التركيب. لا يقال: كلمات المضارع على رأي الحكماء كذلك، لأن كل واحد من حروف المضارع يدل على جزء من معنى الجملة، فإن الهمزة تدل على الفاعل المتكلم، والنون تدل عليه مع غيره، وكذا البواقي وما بعده لا يدل على شيء أصلا، إما لأن دلالته على الشيء فرع كونه لفظا وهو ليس بلفظ، إذ لا يمكن التلفظ به لسكون أول جزئه، وأما لأنه ليس من أنواع الكلمة إذا ليس حرفا من حروف المعاني وهو ظاهر، ولا فعلا لأنه ليس ماضيا ولا مضارعا ولا أمرا لانتفاء علامة كل واحد منها عنه ولا اسما.
[ ١ / ١٢٧ ]
أما أولا: فلانتفاء علامته أيضا.
وأما ثانيا: فلأنه لا يتركب كلام من الاسم والحرف إلا في النداء للاستقراء.
وكلمات المضارع كلام عندهم، فلا يكون مركبا من حرف واسم، وإذا لم يكن من أنواع الكلمة، لم يكن دالا على شيء لانحصار الألفاظ الدالة بواسطة الوضع في تلك الأنواع الثلاثة، فظهر أن كلمات المضارع على رأي الحكماء مركبة من جزء يدل على جزء معنى الجملة ومن جزأ ليس له دلالة أصلا.
لأنا نقول: إن عنيت بقولك: إن ما بعد حرف المضارع لا يدل على شيء أصلا، أنه كذلك سواء كان حالة التركيب أو حالة التحليل، فهو ممنوع ولا يمكن دعواه لأنه معلوم الفساد بالضرورة، إذ نعلم بالضرورة أنه يدل على معنى المصدر حالة التركيب.
وإن عنيت به أنه لا يدل على شيء أصلا حالة التحليل، فهذا مسلم ولا يضرنا لأنا نعنى من سلب الدلالة عن الجزء وعموم السلب أي لا يدل على شيء أصلا، سواء كان حالة التركيب أو حالة التحليل ولا يخفى أن ما ذكرتموه غير مناف له.
اعلم أنه يدخل تحت المفرد على مذكرنا، أقسام خمسة:-
أحدها: ما ليس له جزء كـ ق، وع. إذا جعل علما.
وثانيها: ما له جزء لكن ليس لشيء من أجزائه دلالة لا في معنى. اللفظ ولا في غيره كفرس وجمار.
وثالثها: ما لأحد جزئيه دلالة لكن في غير معنى اللفظ، وليس للجزء
[ ١ / ١٢٨ ]
الآخر دلالة أصلا لا فيه ولا في غيره، كالإنسان، فإن: لـ "إن" معنى في غيره، وليس لـ "إن" معنى، لا في مدلول اللفظ ولا في غيره.
رابعها: ما [لجز] ئية دلالة لكن لا في معنى اللفظ [لكن لا يقصد بهما الدلالة عليهما] بل في غيره/ (١٨/ب) كعبد الله إذا جعل علما.
خامسها: ما لجزئيه دلالة على جزء المعنى المدلول عليه باللفظ، لكن لا يقصد بهما الدلالة عليهما كالحيوان الناطق إذا جعل علما لإنسان.
ثم لا فرق بين المركب والمؤلف. والقول: عن بعضهم كالمسح، وفرق بعضهم بين المركب والمؤلف، ففسر المؤلف بما فسرنا المركب وخص المركب بم يكون لأحد جزئيه أو لكليهما دلالة لكن على غير جزء المعنى المدلول عليه باللفظ، وبينهما على هذا التفسير مباينة، ولو فسر المؤلف بما لجزئه دلالة، أما على جزء المعنى أو على غيره، والمركب بما تقدم كان بينهما نسبة العموم والخصوص.