في الحروف الجارة
[من]
منها: "من". وهي تكون لابتداء الغاية تارة، كقولك: "سرت من الدار إلى السوق"، وتعرف في الأغلب بصلاحية ذكر الانتهاء في مقابلته.
ولتبيين الجنس، كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾.
وتعرف بصلاحية [إقامة اسم الموصول مقامه]، وللتبعيض كقولك: أخذت من الدراهم، وتعرف بصلاحية إقامة البعض مقامه.
وقد تكون صلة، كقولك: "ما جاءني من أحد". وتعرف، بأن حذفها لا يغير المعنى هذا في النفي.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وأما في الإثبات فلم يجز مجيئها صلة عند قوم وجوزه الكوفيون.
قال الإمام: والحق عندي أنها لتبيين، لوجوده في جميع موارد استعمالها، وهو منقدح، لكن حيث جاءت لمعنى، فإن كونها للتبيين أو لغيره فرع لكونها لمعنى وإلا فليس في قولك: "ما جاءني من أحد" بيان بالنسبة إلى قولك: "ما جاءني أحد" وإن كان كلامه يشعر بخلافه.
واعلم أن من زعم منهم كونها مشتركة بين المعاني المذكورة بالاشتراك اللفظي فإنما زعم ذلك لكون الأغلب في الحروف الاشتراك.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
[إلى]
ومنها: "إلى". وهي لانتهاء الغاية، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها بطريق الحقيقة.
ثم منهم من ذكر ضابطا في الدخول، [وعدم] الدخول: وهو أن ما بعدها إذا لم يتميز عما قبلها بمفصل حسي كـ "المرفق" دخل، لأنه ليس بعض المقادير أولى من البعض فوجب دخول الكل.
وأما إذا تميز عنه بمفصل حسي كـ "الليل" عن "النهار" فلا يدخل.
ومنهم من لم يعتبر الضابط المذكور واعتبر في الدخول حيث دخل دليلا منفصلا يدل على الدخول.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
و"المرفق"، إنما دخل عنده بفعله مع قوله: "لا يتقبل الله صلاة امرئ إلا به" لا لما ذكر من الضابط
وقيل: بعكسه، وحيث لم يدخل يكون بطريق التجوز.
وقيل: هي مشتركة بينهما لاستعمالها فيهما.
وقيل: هي لانتهاء الغاية، إن كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، وإن كان من جنس ما قبلها فلا.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
[حتى]
ومنها: "حتى": وهي بمعنى "إلى"، إلا أنها تدخل ما بعدها فيما قبلها، قولهم: "أكلت السمكة حتى رأسها" والرأس مأكول، ومنه "نمت البارحة حتى الصباح".
لكنها/ (٦٦/أ) تفارق "إلى" في اختصاصها بالظاهر فلا يقال: "حتاه" بخلاف "إلى" فإنها تدخل على الظاهر والمضمر تقول: "إلى زيد وإليه".
[ ٢ / ٤٣٦ ]
[في]
ومنها: "في". وهي للظرفية، إما تحقيقا، كقولهم: "العسل في النحل"، وإما تقديرا كقوله: ﴿لأصلبنكم في جذوع النخل﴾ لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان، ومنه فلان في حال كذا.
وقيل: إنها لسببية في قوله ﵇: "في النفس المؤمنة مائة من
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الإبل، أي بسبب النفس المؤمنة
والحق أنها على يابها إذ يمكن حملها على الظرف التقديري، فلا حاجة إلى جعلها للسببية.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
[الباء]
ومنها: "الباء"، وهي للإلصاق، كقولك: "مررت بزيد" أي التصق مروري بالمكان الذي يلابسه.
وللاستعانة، كقولك: "كتبت بالقلم" و"ضربته بالسوط".
وقد يقال لها: "ياء" الآلة.
وللتعدية كقولك: "ذهب يزيد".
وبمعنى "على" كقوله تعالى: ﴿من إن تأمنه بدينار﴾ أي: على دينار.
وبمعنى "في" كقولك: "جلست بالمسجد" أي فيه.
وللثمنية كقولك: "بعت هذا بهذا".
وللمصاحبة كقولك: "اشتري الفرس بسرجه ولجامه".
وللتعليل كقولك: "قتل به" و"قطع بالسرقة" ومنه قوله تعالى ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾.
وزائدة في النفي، والاستفهام، كقولك: "ما زيد بقائم" وهل زيد
[ ٢ / ٤٣٩ ]
بقائم"؟.
وقيل: هي للتبعيض في فعل متعد بنفسه كقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ونسب ذلك إلى الشافعي ﵁.
وقيل: هي مجملة بين مسح بعض الرأس وبين مسح كله وهو مذهب الحنفية.
وقالوا: نحن ما أجوبنا مسح بعض الرأس بناء على أن الآية تفيد وجوب بعض الرأس، ثم أن ذلك البعض لم يكن مبين المقدار، فبينه النبي ﵇ بفعله، بل لأن الآية كانت مجملة بين الكل والبعض، فبينها النبي عليه
[ ٢ / ٤٤٠ ]
السلام بفعله.
والفرق بين هاتين الطرقتين، وهو أن مطلق التبعيض مستفاد من الآية على الطريقة الأولى، وتعيينه مستفاد من فعله ﵇.
وعلى الطريقة الثانية التبعيض وتعيينه كلاهما مستفادان من فعله ﵇.
واستدل الشافعي ﵁: بأنا ندرك التفرقة بالضرورة بين قول القائل: "مسحت يدي بالمنديل" وبين "مسحت المنديل"، في أن الأول يفيد التبعيض والثاني الشمول.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أنا ندرك التفرقة بينهما بما ذكرتم، بل الذي ندركه هو أن الأول: لا يفيد الشمول الذي هو/ (٦٦/ب) التبعيض، بل لا دلالة له إلا على إلصاق اليد بالمنديل بطريق المسح، وهو أعم من أن يكون بكل المنديل أو ببعضه. والثاني: يفيده.
ثم الذي يؤكده أنه يصح أن يقال "مسحت يدي بالمنديل كله، أو ببعضه".
قول كان قولنا: "مسحت يدي بالمنديل" يفيد التبعيض، لكان الأول: نقضا والثاني: تأكيدا، ومعلوم أنه ليس كذلك.
[ ٢ / ٤٤١ ]
فإن قلت: القول بأن الفعل المتعدى، إذا دخلت "الباء" على متعلقه لم يفد التبعيض ولا تعميم، ولا هو مجمل بينهما، بل يفيد القدر المشترك بينهما، قول لم يقل به أحد، وهذا لأن الحنفية قالوا: بإجماله، والمالكية قالوا: بتعميمه، كما قبل الدخول، والشافعية بتبعيضه، ولم يقل أحد منهم أنه يفيد القدر المشترك بين الكل والبعض، فكان باطلا، لأن "الباء" إن كان للتبعيض كان الفعل مفيدا له بعد دخولها، وإن لم تكن للتبعيض بل لا تفيد إلا الإلصاق كان الفعل بعد دخلوها، كهو قبل دخولها إلا في الإلصاق وقبل الدخول كان يفيد التعميم فكذا بعده.
قلت: الجواب عن الأول: إنا لا نسلم أنه قول لم يقل به أحد بل هو قول الشافعي ﵁، وأختاره أبو الحسين البصري، لكن لما كان اللازم من هذا القول الاكتفاء بأدنى ما ينطلق عليه الاسم على مالا يخفى تقريره، ظن أنه إنما قال بذلك لكون "الباء" تفيد التبعيض.
وأما عن الثاني: فإنا نسلم أن الفعل قبل دخول "الباء" يفيد التعميم، وكذا بعده، نظرا إلى الموضع الأصلي، وهذا لأن الرأس حقيقة في مجموع العضو المخصوص لا في بعضه، و"الباء" لا تفيد إلا الإلصاق، فكان مقتضاه بعد
[ ٢ / ٤٤٢ ]
دخولها عليه إلصاق جميع الرأس بما يمسح به، كما هو مذهب مالك ﵁، واختاره بعض الأصوليين أيضا.
لكن عرف استعمال أهل اللسان الطارئ على الوضع غيره عن مقتضاه، إذ لا يتبادر التعميم إلى الفهم منه الآن، كما يتبادر ذلك من قولك: "مسحت المنديل".
ولهذا فإن السيد لو أمر عبده، وقال له: امسح يدك بالمنديل، أو بالحائط فمسح يده ببعض المنديل، أو ببعض الحائط، فإنه لا يستحق التوبيخ واللوم على ذلك، كما يستحقه إذا قال: امسح المنديل أو الحائط فمسح بعض المنديل أو بعض الحائط.
وبالجملة فقول الشافعي ﵁: بجواز المسح بأقل ما ينطلق عليه الاسم لا يدل على أن "الباء" للتبعيض لجواز أن يكون ذلك/ (٦٧/أ) بالطريقة التي سبقت الإشارة إليها، وحمل كلامه على هذا أولى، لأن كون "الباء" للتبعيض مما لم يعرفه أحد من أهل اللغة.
لا يقال: دليلكم منقوض فإنه يقتضى أن لا يجب استيعاب مسح جميع الوجه بالصعيد، لأن قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ لا يدل على الاستيعاب حينئذ، والأصل براءة الذمة عن أقل ما ينطلق عليه الاسم، فوجب. الاكتفاء به، لكنه واجب بالإجماع فيكون منقوضًا.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
لأنا نقول: ترك مقتضى الدليل في بعض الصور لدليل أقوى منه لا يقدح فيه، وهذا وإن كان يلزم منه التعارض وهو خلاف الأصل، لكنه قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه.
ولقائل أن يقول: أنا نسلم أن قولنا: "مسحت يدي بالمنديل" لا يفيد التعميم في عرف الاستعمال، لكنه لقيام قرينه هي مقصودة "في" قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وهي أن المقصود من الكلام مسح اليد بالمنديل فقط، إذ ليس الغرض متعلقا بكون المسح بكله أو ببعضه، وإذا حصل ذلك سواء كان ذلك بكل المنديل أو ببعضه فقد حصل تمام المقصود من الكلام، بخلاف قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ فإن من المعلوم أن الرأس ليس آلة المسح بل هو الممسوح و"الباء" التي كان يجب دخولها على الآلة، لما حذف ذكرها دخلت على الممسوح تنبيها على المحذوف، وتقدير الكلام والله أعلم، و"امسحوا بأيديكم رؤوسكم".
وعلى هذا التقدير يقول: لا يلزم من عدم إفادة القول بالتعميم فيما إذا دخلت "الباء" على الآلة مع كونها غير مقصودة بالمسح عدم إفادته التعميم فيما إذا دخلت على الممسوح مع كونه مقصودا منه.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
[اللام]
ومنها: "اللام". وهي تارة تكون للاختصاص كقولهم: "الجل للفرس". وللملك كقولهم: "الدار لزيد".
وللتعليل [كقولهم]: "زرتك لإكرامك الزائر"،
وبمعنى "عن" على الندور كقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا
[ ٢ / ٤٤٥ ]
لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾، أي: عن أحوالهم.
ولا يخفى عليك ما فيه.
وتكون زائدة، كقوله تعالى: ﴿ردف لكم﴾.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
[على]
ومنها: "على". وهي للاستعلاء تقول: "جلست على السطح". وللوجوب كقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾
[ ٢ / ٤٤٧ ]
[عن]
ومنها: "عن". وهي للمجاوزة كقولك: "رمي عن القوس".
[كاف التشبيه]
ومنها: "كاف التشبيه". وهي تارة تكون للتشبيه بحسب الصورة كقوله تعالى: ﴿يوم نطوى الماء كطي السجل للكتب﴾.
وتارة للتشبيه بحسب المعنى، كقوله تعالى: ﴿كأنهم حمر مستنفرة﴾، وقوله تعالى: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾.
وقد تأتى زائدة كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وقد عرفت ما فيها.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
[مذ ومنذ]
ومنها: "مذ ومنذ". وهما/ (٦٧/ب) إذا كان حرفين فلابتداء الغاية في الزمان الماضي كمن في المكان، نقول: "ما رأيته مذ يوم الجمعة"، و"منذ يوم الجمعة" أي: ابتداء عدم الرؤية كان من يوم الجمعة.