[في التعارض بين الاشتراك والإضمار]
إذا وقع التعارض بين الاشتراك والإضمار، فالإضمار أولى
والدليل عليه: إن إخلال الفهم الحاصل بسبب الإضمار، يختص ببعض الصور، وهو حيث لا يمكن إجراء الكلام على ظاهره، وأما الإخلال الحاصل بسبب الاشتراك، فإنه عام في جميع موارد استعمال اللفظ، حيث لا قرينة تعين أحد مدلوليه، فكان الإضمار أولى، ولأن الإضمار من باب الإيجاز والاختصار، وهو من محاسن الكلام، ولذلك قال ﵇: "أوتيت جوامع الكل واختصر لي الكلام اختصارا" والمشترك ليس كذلك.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
لا يقال: الإضمار يحتاج إلى قرائن ثلاث.
قرينة تدل على أصله.
وقرينة تدل على موضوعه، فإن الإضمار قد يحسن تارة في أول الكلام، وتارة في آخره، فإن استهجن تقديم الإضمار في بعض الصور وتأخيره في
[ ٢ / ٤٧٧ ]
بعضها فالمنفصل ألا ترى أنه يحسن إضمار المقدار في قوله ﵇ "في كل خمس من الإبل شاه" في أوله وآخره.
إذا قلنا بالإضمار فيه، ويصير تقدير الكلام على الأول في كل مقدار خمس من الإبل شاه، وعلى الثاني في كل خمس من الإبل مقدار شاه، وكذلك "الأهل" في قوله تعالى/ (٧١/ب): ﴿واسأل القرية﴾ ويصير تقدير الكلام على الأول: واسأل أهل القرية، وعلى الثاني: واسأل القرية أهلها، على أن يكون الأهل بدل القرية، بدل الاشتمال.
وقرينه تدل على عين المضمر، فإنه يجوز أن يضمر في الآية مثلا الأهل، والساكن، والمالك وغيرها مما له صلاحية أن يضمر، ولا يتعين لذلك، والمشترك لا يحتاج إلا إلى قرينة واحدة، فكان الإضمار مرجوحا، إما لأنه أكثر إخلالا بالفهم منه حينئذ، وإما لتوقفه على أكثر المقدمات.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
ولا يجاب عنه: بمنع إحتياج الإضمار إلى ثلاث قرائن، وهذا لأنه لا يحتاج إلى قرينة تعيين موضع الإضمار، لأنه إن حسن كل واحد من التقديم والتأخير، بحيث لا يختلف به الغرض فلا حاجة إلى التعيين، بل للسامع أن يضمر في أي موضع شيئا إذ لا يختلف به الغرض، كما إذا أمر بإعتاق رقبة، فإنه لا يحتاج إلى تعيين الرقبة، بل يخرج عن عهدة التكليف بإعتاق أي رقبة شاء، وإن لم يحسن بالتفسير المذكور تعين الآخر ولا يحتاج إلى القرينة أيضا.
وكذلك الكلام في قرينة تعيين المضمر، فإنه إن حسن إضمار كل واحد من تلك الأشياء، فلا حاجة إلى التعيين، بل الأمر فيه موكولا إلى المخاطب، وإن لم يحسن البعض، فإن كان الباقي وحده واحدا تعين، وإن كان أكثر كان الكلام فيه كالكلام في الأول.
لأنه يقال: الأمر وإن كان كما ذكرتم، لكن عدم صلاحية أول الكلام أو آخره لذلك، وعدم صلاحية إضمار البعض دون البعض لابد وأن يكون لدليل منفصل، إذ الإضمار من حيث إنه إضمار لا يدل عليه، وحينئذ يتوقف صحة الإضمار على وجه التخيير بين التقديم والتأخير وبين المضمرات، أو على وجه التعيين في موضع مخصوص ومضمر مخصوص على معرفة وجود ذلك الدليل وعدمه، ضرورة أن العلم بالمشروط متوقف على العلم بالشرط، وحينئذ يعود الاحتياج المذكور في صور التعيين وفي صور التخيير، وإن كان لا يحتاج إلى وجود تينيك القرينتين، لكن يحتاج إلى معرفة عدمهما، وإنما يعرف ذلك بعد الطلب الشديد والبحث البليغ، وهو أمر شاق قل ما يوجد لا يتوقف عليه وعلى مثله المشترك، فكان أولى، ولو اكتفى في ذلك بالأصل مع أن
[ ٢ / ٤٧٩ ]
فيه كلاما، فالمقصود أيضا حاصل، لأن التمسك بالأصل دليل زائد على ما يتوقف/ (٧٢/أ) عليه المشترك، فكان الإضمار يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه المشترك، فكان أولى.
لأنا نقول: هب أن الأمر كما ذكرتم، لكنه في بعض صور استعمال اللفظ وهو حيث استعمل اللفظ على وجه الإضمار، وأما على تقدير كون اللفظ مشتركا فإنه وإن احتاج إلى قرينة واحدة لكنه في جميع صور استعمال اللفظ فيقع بعضها في مقابلة التي في صور الإضمار، ويبقى الباقي سليما عن المعارض.