في أن المجاز المفرد خلاف الأصل
إما بمعنى خلاف الغالب، أو بمنى أنه على خلاف الدليل، ويدل عليه وجوه:-
[ ٢ / ٣٧١ ]
أحدها: أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة، فإن وجب حمله على حقيقته فهو المطلوب، لأن الدليل حينئذ يكون دالا عليه، والحمل على المجاز حينئذ يكون مخالفة لذلك الدليل فيكون خلاف الأصل، إذ الأصل في الدليل الأعمال لا الإهمال، وإن وجب حمله على مجازه فهو باطل أيضا، لأنه يلزم وجود المشروط بدون الشرط، لأن شرط حمل اللفظ على مجازه أن يكون معه قرينة صارفة عن الحقيقة وفاقا، ولأنه إذا لم يجز حمل المشترك على أحد مفهوميه إلا بقرينة تساويهما، فلأن لا يجوز حمله على المجاز مع أنه فرع الحقيقة كان أولى، وإن وجب حمله عليهما فهو باطل أيضا لما بينا أنه لا يجوز حمل اللفظ على مفهومين مختلفين، ولأنه يلزم أن يكون اللفظ حقيقة فيهما، لأنه لا معنى لكون اللفظ حقيقة في شيء إلا أنه يجب حمل اللفظ عليه عن تجرده عن القرينة.
وإما أن لا يحمل على شيء منهما فهو أيضا باطل.
أما أولا: فبالاتفاق.
وأما ثانيا: فلأن اللفظ حينئذ يكون من المهملات لا من المستعملات.
وثانيها: أنا قد ذكرنا أن الألفاظ وضعت معرفات لما في الضمائر، فكان الواضع قال: إذا سمعتم مني أني تكلمت بهذه اللفظة، فاعلموا: أني أردت به المعنى الفلاني، فمن تكلم بكلامه وجب أن يعني ذلك المعنى، وإلا كان متكلما بكلام آخر، وحينئذ يجب حمله عليه / (٥٧/ب).
وثالثها: استدل الكل بالاستعمال على الحقيقة، فلولا أنه تقرر عندهم أن
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الأصل في الكلام هو الحقيقة، وإلا لما صح ذلك، روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "ما كنت أعرف معنى الفاطر حتى اختصم إلي شخصان في بئر فقال أحدهما: فطرها أبي أي اخترعها".
وقال الأصمعي أنه قال: ما كنت أعرف معنى "الدهاق" حتى سمعت جاري بدوية تقول: "اسقني دهاقا" أي ملآن.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
وبالجملة فكتب اللغة بأسرها شاهدة على ذلك. لأنهم إذا بينوا معنى لفظ فيها فقل ما يسندوا ذلك إلى النقل، بل استدلوا عليه بالاستعمال، إما في شعر أو في مثل، وذلك يدل على اتفاقهم أن الأصل في الكلام هو الحقيقة.
ورابعها: المجاز يتوقف على وضع اللفظ لمعنى، وعلى نقله إلى غيره، واستعماله فيه عند من يعتبر الوضع فيه، وعلى شرط ذلك النقل، وهو المناسبة، وعلى قرينة تصرفه عن الحقيقة، وتدل على المجاز، والحقيقة لا تتوقف إلا على الوضع، والاستعمال، وما يتوقف على أكثر المقدمات يكون مرجوحا بالنسبة إلى ما يتوقف على أقلها.