في أن الغالب في الاستعمال الحقيقة أو المجاز
قيل: الحق هو الثاني، للاستقراء.
أما بالنسبة إلى كلام الفصحاء في نظمهم ونثرهم فظاهر، لأن أكثرها تشبيهات واستعارات للمدح والذم، وكنايات وإسنادات قول وفعل إلى من لا يصلح أن يكون فاعلا لذلك، كالحيوانات والدهر والأطلال والدمن، ولا شك أن كل ذلك يجوز.
أما بالنسبة إلى الاستعمال العام فكذلك، فإن الرجل يقول: "سافرت البلاد" و"رأيت العباد"، و"لبست الثياب"، و"ملكت العبيد"، مع أنه ما سافر في كلها، ولا رأى كلهم، وما لبس كل الثياب، ولا ملك كل العبيد.
وكذلك يقول: ضربت زيدا، مع أنه ما ضرب إلا جزءًا منه.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وكذا إذا عين جزء منه مثل أن يقول: ضربت رأسه. مع أنه ما ضرب إلا جزءا منه / (٥٧/أ).
وكذلك قولهم: "طاب الهواء"، و"برد الماء"، و"مات زيد"، و"مرض عمر"، بل إسناد الأفعال الاختيارية كلها إلى الحيوانات، على مذهب أهل السنة مجاز، لأن فاعلها في الحقيقة هو الله تعالى، فإسنادها إلى غيره مجاز عقلي.
وأما قول ابن جني: إن قولنا: "قام زيد"، و"قعد عمرو"، مجاز لزعمه أنه يفيد صدور المصدر، والمصدر يفيد الجنس، وهو يتناول
[ ٢ / ٣٧٠ ]
جميع الأفراد وهو غير صادر منه. فهو باطل، لأن المصدر يصدق على القليل والكثير ولا دلالة له إلا على نفس الماهية، وما كان كذلك لا يكون متناولا لجميع الأفراد، بل له صلاحية التناول، وصلاحية التناول غير التناول، ثم ليلعم أن الغلبة لو ثبتت للمجاز، فإنما تثبت لمجموع المجازين أعني الإفرادي والتركيبي.
وأما بالنسبة إلى الإفرادي وحده فلا.
وأما بالنسبة إلى التركيبي وحده ففيه نظر. على رأي من لم يثبت فاعلا وخالقا غير الله تعالى.