في السبب الموجب للتكلم بالمجاز
وهو وجوه:-
أحدها: أنه لا يكون للمعنى الذي عبر عنه بالمجاز / (٥٦/ب) لفظ حقيقي، فيتعين تعبيره بالمجاز.
وثانيها: أنه وإن كان له لفظ حقيقي، لكن المتكلم أو المخاطب لم يعرفه.
وثالثها: أنه وإن كان معلوما لهما، لكنه معلوم كغيرهما أيضا والمجاز قد لا يكون معلوما لغيره، فيعبر به لئلا يطلع على ذلك المعنى غيرهما.
ورابعها: أن الإخفاء، وإن كان غير مطلوب له، لكن قد يكون لفظ الحقيقة ثقيلا على اللسان، سواء كان ذلك لمفردات حروفه أو لتنافر تركيبه أو
[ ٢ / ٣٦٦ ]
لثقل وزنه.
وخامسها: أنه وإن لم يكن كذلك، لكنه يكون غير صال للسجع أو للتجنيس، وسائر أصناف البديع، أو لإقامة الوزن والقافية، والمجاز صالح لذلك.
وسادسها: أنه وإن لم يكن كذلك، لكن لما كان التعبير بالمجاز ألذ، عدل عنه إليه، أما بيان أنه ألذ فلأن التعبير عن الشيء باسم لازمه، لا يوقف على تمام المقصود بل على بعضه، فيكون المقصود معلوما من وجه، ومجهولا من وجه، والوجه المعلوم يسوقه إلى تحصيل ذلك الوجه المجهول، فيحصل هناك ألم ولذة باعتباري الجهل والعلم، ثم إذا حصل العلم بكماله بعد الشوق إليه حصل هناك لذة عظيمة، لأن اللذة إذا حصلت عقيب الألم كانت أقوى وأتم بما إذا حصلت بغتة من أن يكون مسبوقا بألم، بخلاف الحقيقة، فإنها
[ ٢ / ٣٦٧ ]
توقف على المقصود لكماله فلا تعظم اللذة.
وسابعها: أن التعبير بالمجاز قد يكون أدخل في التعظيم.
وثامنها: أن يكون أدخل في التحقير.
وتاسعها: أن يكون التعبير به أبلغ في الإنباء عن المقصود، فإن قولك: "رأيت أسدا" أبلغ في الإعلام عن المقصود من قولك: "رأيت شجاعا" أو إنسانا "يشبه الأسد في الشجاعة".
وعاشرها: أن يكون المجاز أعرف من الحقيقة. فهذا ما حضرنا من الأسباب الداعية للتكلم بالمجاز.
[ ٢ / ٣٦٨ ]