ذكر بعض ما ورد عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة ووجوب العمل بها. . في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لما توفي رسول الله - ﷺ - وارتد من ارتد من العرب قال أبو بكر الصديق - ﵁ -: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فقال له عمر - ﵁ -: كيف تقاتلهم وقد قال النبي - ﷺ -: «أمِرْتُ أَنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَقُولُوا لا إِلهَ إِلا الله فَإِذا قَالوها عَصَمُوا مِني دِمَاءَهُم
[ ١٧ ]
وَأَموَالَهُم إِلا بحقَّها»؛ فقال أبو بكر الصديق: أليست الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إِلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها فقال عمر - ﵁ -: فما هو إِلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق، وقد تابعه الصحابة - ﵃ - على ذلك فقاتلوا أهل الردة حتى ردوهم إِلى الإِسلام وقتلوا من أصر على ردته، وفي هذه القصة أوضح دليل على تعظيم السنَّة ووجوب العمل بها، وجاءت الجدة إِلى الصديق - ﵁ - تسأله عن ميراثها فقال لها: ليس لك في كتاب الله شيء ولا أعلم أن رسول الله - ﷺ - قضى لك بشيء وسأسأل الناس ثم سأل - ﵁ - الصحابة
[ ١٨ ]
فشهد عنده بعضهم بأن النبي - ﷺ - أعطى الجدة السدس قضى لها بذلك، وكان عمر - ﵁ - يوصي عماله أن يقضوا بين الناس بكتاب الله فإِن لم يجدوا القضية في كتاب الله فبسنَّة رسول الله - ﷺ - ولما أشكل عليه حكم إِملاص المرأة وهو إِسقاطها جنينًا ميتًا بسبب تعدي أحد عليها سأل الصحابة - ﵃ - عن ذلك فشهد عنده محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة - ﵄ - بأن النبي - ﷺ - قضى في ذلك بغرة عبد أو أمة فقضى بذلك - ﵁ -. ولما أشكل على عثمان - ﵁ - حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها وأخبرته فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد - ﵂ - أن النبي - ﷺ -
[ ١٩ ]
أمرها بعد وفاة زوجها أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله قضى بذلك - ﵁ - وهكذا قضى بالسنَّة في إِقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة، ولما بلغ عليًّا - ﵁ - أن عثمان - ﵁ - ينهى عن متعة الحج أهل علي - ﵁ - بالحج والعمرة جميعًا وقال لا أدع سنَّة رسول الله - ﷺ - لقول أحد من الناس، ولما احتج بعض الناس على ابن عباس - ﵄ - في متعة الحج بقول أبي بكر وعمر - ﵄ - في تحبيذ إِفراد الحج قال ابن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله - ﷺ - وتقولون قال أبو بكر وعمر، فإِذا كان من خالف السنَّة لقول أبي بكر وعمر تخشى عليه
[ ٢٠ ]
العقوبة فكيف بحال من خالفها لقول من دونهما أو لمجرد رأيه واجتهاده، ولما نازع بعض الناس عبد الله بن عمر - ﵄ - في بعض السنة قال له عبد الله: هل نحن مأمورون باتباع عمر أو باتباع السنة؟ ولما قال رجل لعمران بن حصين - ﵄ -: حدثنا عن كتاب الله وهو يحدثهم عن السنة غضب - ﵁ - وقال: إِن السنَّة هي تفسير كتاب الله ولولا السنَّة لم نعرف أن الظهر أربع والمغرب ثلاث والفجر ركعتان ولم نعرف تفصيل أحكام الزكاة إِلى غير ذلك مما جاءت به السنة من تفصيل الأحكام، والآثار عن الصحابة - ﵃ - في تعظيم السنَّة ووجوب العمل بها والتحذير من مخالفتها كثيرة جدًّا، ومن
[ ٢١ ]
ذلك أيضًا أن عبد الله بن عمر - ﵄ - لما حدَّث بقوله - ﷺ - «لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ» قال بعض أبنائه: والله لنمنعهن فغضب عليه عبد الله وسبه سبًّا شديدًا وقال: أقول قال رسول الله وتقول والله لنمنعهن، ولما رأى عبد الله بن المغفل المزني - ﵁ - وهو من أصحاب رسول الله - ﷺ - بعض أقاربه يخذف نهاه عن ذلك وقال له إِن النبي - ﷺ - «نهى الخذف وقال إٍنه لا يصيد صيدًا ولا ينكأ عدوا ولكنه يكسر السن ويفقأ العين» ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال والله لا كلمتك أبدًا أخبرك أن رسول الله - ﷺ - ينهى عن الخذف ثم تعود؟ وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني التابعي الجليل أنه قال: إذا حدثت الرجل بسنَّة فقال
[ ٢٢ ]
دعنا من هذا، وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال، وقال الأوزاعي - ﵀ - السنَّة قاضية على الكتاب أو تقييد ما أطلقه أو بأحكام لم تذكر في الكتاب كما في قول الله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] وسبق قوله - ﷺ -: «أَلا إِني أوتِيتُ الكِتابَ ومثلَه مَعَهُ»، وأخرج البيهقي عن عامر الشعبي - ﵀ - أنه قال لبعض الناس: «إِنما هلكتم في حين تركتم الآثار» يعني بذلك الأحاديث الصحيحة، وأخرج البيهقي أيضًا عن الأوزاعي - ﵀ - أنه قال لبعض أصحابه إِذا بلغك عن رسول الله - ﷺ - حديث فإِياك أن تقول بغيره فإن رسول الله كان مبلغًا عن الله تعالى، وأخرج البيهقي عن الإِمام
[ ٢٣ ]
الجليل سفيان بن سعيد الثوري - ﵀ - أنه قال إِنما العلم كله العلم بالآثار، وقال مالك - ﵀ - ما منا إِلا راد ومردود عليه إِلا صاحب هذا القبر وأشار إِلى قبر رسول الله - ﷺ - وقال أبو حنيفة - ﵀ -: إِذا جاء الحديث عن رسول الله - ﷺ - فعلى الرأس والعين وقال الشافعي - ﵀ -: متى رويتُ عن رسول الله - ﷺ - حديثًا صحيحًا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب وقال أيضًا - ﵀ - إِذا قلتُ قولا وجاء الحديث عن رسول الله - ﷺ - بخلافه فاضربوا بقولي الحائط، وقال الإِمام أحمد بن حنبل - ﵀ - لبعض أصحابه: لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي وخذ من حيث أخذنا، وقال أيضًا - ﵀ -: عجبتُ لقوم عرفوا
[ ٢٤ ]
الإِسناد وصحته عن رسول الله - ﷺ - يذهبون إِلى سفيان والله سبحانه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قال أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إِذا رد بعض قوله - ﵊ - أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، وأخرج البيهقي عن مجاهد بن جبر التابعي الجليل أنه قال في قوله سبحانه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال: الرد إِلى الله إِلى كتابه والرد إِلى الرسول الرد إِلى السنَّة، وأخرج البيهقي عن الزهري - ﵀ - أنه قال: كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنَّة نجاة، وقال موفق الدين بن قدامة - ﵀ - في كتابه روضة الناظر: في
[ ٢٥ ]
بيان أصول الأحكام ما نصه، والأصل الثاني من الأدلة سنة رسول الله - ﷺ - وقول رسول الله - ﷺ - حجة لدلالة المعجزة على صدقه وأمر الله بطاعته وتحذيره من مخالفة أمره. انتهى المقصود، وقال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] أي عن أمر رسول الله - ﷺ - وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنَّته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله فما وافق ذلك قبل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عَليهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدّ» أي
[ ٢٦ ]
فليخشى وليحذر من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك، كما روى الإِمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله - ﷺ -: «مثَلي وَمثَلُكمْ كمَثَلِ رجلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا فَلمّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الفراشُ وهَذِهِ الدّوابُّ اللائِي يَقَعْنَ في النَّار يَقَعْنَ فِيهّا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتحِمْنَ فِيَها قَالَ فَذَلِك مَثَلي وَمَثَلَكمْ أَنا آخُذُ بحَجْزِكُم عَن النَّار هَلُمّ عَن النارِ فَتَغْلِبُوني وَتقْتَحِمُونَ فِيهَا» أخرجاه من حديث عبد الرزاق وقال السيوطي
[ ٢٧ ]
- ﵀ - في رسالته المسماة مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ما نصه:
" اعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر أن كون حديث النبي - ﷺ - قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإِسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة " انتهى المقصود. والآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنَّة ووجوب العمل بها والتحذير من مخالفتها كثيرة جدًّا وأرجو أن يكون في ما ذكرنا من الآيات والأحاديث والآثار كفاية ومقنع لطالب الحق ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه والسلامة من أسباب
[ ٢٨ ]
غضبه، وأن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم إِنه سميع قريب.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
﵀
[ ٢٩ ]