وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - في وجوب طاعته واتباع ما جاء به وتحريم معصيته وذلك في حق من كان في عصره وفي حق من يأتي بعده إِلى يوم القيامة، ومن ذلك ما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقد أَطَاعَ الله ومَن عَصَانِي فقد عَصَى الله»، وفي صحيح البخاري عنه - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «كلّ أمَّتي يَدخُلونَ
[ ١٢ ]
الجنةَ إِلا مَن أَبَى قِيلَ يا رسولَ اللهِ ومَن يَأبَى قَالَ مَن أَطَاعَني دَخَلَ الجنة ومَن عَصَاني فَقد أَبَى»، وخرج أحمد وأبو داود، والحاكم بإِسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «أَلا إٍني أوتِيتُ الكِتابَ ومِثْلَه مَعَهُ أَلا يُوشِكُ رَجلٌ شَبْعانُ على أريكَتِهِ يَقولُ عَليكمْ بِهذا القُرآنِ فَما وَجَدْتُمْ فيهِ مِن حَلال فأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُم فيِه مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ» .
وخرج أبو داود، وابن ماجه بسند صحيح: عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: «لا أَلْفَينَّ أَحَدَكُم مُتّكِئًا عَلى أَريكتِهِ يَأتِيهِ الأمْرُ مِن أَمْري مَمّا أَمَرْتُ بِهِ أو نَهَيْتُ عَنْهُ فَيقولُ لا ندْري، ما وَجَدْنا في كِتابِ اللهِ اتَّبَعْنَاه» .
[ ١٣ ]
وعن الحسن بن جابر قال سمعت المقدام بن معدي كرب - ﵁ - يقول: «حَرّمَ رَسولُ الله - ﷺ - يومَ خَيْبَر أَشْياءَ ثم قَالَ يُوشِكُ أَحَدُكُم أَن يُكذِّبَني وَهو مُتّكِئ يُحًدّث بحدِيثي فَيقولُ بَيْنَنا وَبَيْنكُم كِتابُ اللهِ فما وَجَدْنَا فِيهِ من حَلالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنا فيه من حَرام حَرّمْنَاهُ أَلا إِنَّ مَا حَرّمَ رسُولُ اللهِ مِثْلُ مَا حَرّمَ الله» أخرجه الحاكم والترمذي وابن ماجه بإِسناد صحيح. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - بأنه كان يوصي أصحابه في خطبته أن يبلغ شاهدهم غائبهم ويقول لهم ربّ مبلغ أوعى من سامع ومن ذلك ما في الصحيحين أن النبي - ﷺ - لما خطب الناس في حجة الوداع في يوم عرفة وفي يوم النحر قال لهم:
[ ١٤ ]
«فليبلغ الشاهد الغائب فرب من يبلغه أوعى له ممن سمعه»، فلولا أن سنَّته حجة على من سمعها وعلى من بلغته، ولولا أنها باقية إِلى يوم القيامة لم يأمرهم بتبليغها، فعلم بذلك أن الحجة بالسنة قائمة على من سمعها من فيه - ﵊ - وعلى من نقلت إِليه بالأسانيد الصحيحة.
وقد حفظ أصحاب رسول الله - ﷺ - سنته - ﵊ - القولية والفعلية وبلغوها من بعدهم من التابعين ثم بلغها التابعون من بعدهم، وهكذا نقلها العلماء الثقات جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن، وجمعوها في كتبهم وأوضحوا صحيحها من سقيمها، ووضعوا لمعرفة ذلك قوانين وضوابط معلومة بينهم
[ ١٥ ]
يعلم بها صحيح السنَّة من ضعيفها وقد تداول أهل العلم كتب السنة من الصحيحين وغيرهما وحفظوها حفظًا تامًا كما حفظ الله كتابه العزيز من عبث العابثين وإلحاد الملحدين وتحريف المبطلين تحقيقًا لما دل عليه قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ولا شك أن سنَّة رسول الله - ﷺ - وحي منزل فقد حفظها الله كما حفظ كتابه وقيض الله لها علماء نقادًا، ينفون عنها تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين ويذبون عنها كل ما ألصقه بها الجاهلون والكذابون والملحدون لأن الله سبحانه جعلها تفسيرًا لكتابه الكريم وبيانًا لما أجمل فيه من الأحكام وضمنها أحكامًا أخرى لم ينص عليها الكتاب العزيز،
[ ١٦ ]
كتفصيل أحكام الرضاع وبعض أحكام المواريث وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها إِلى غير ذلك من الأحكام التي جاءت بها السنَّة الصحيحة ولم تذكر في كتاب الله العزيز.