والإفصاح بذلك في شعره عن كثرة التفاوت، وقلة التناسب، وتنافر الأطراف، وتخالف الأبيات، وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة، ويعود لهذه العادة السيئة،
[ ٦٧ ]
ويجمع البديع النادر والضعيف الساقط. فبينا، هو يصوغ أفخر حلي، وينظم أحسن عقد، وينسخ أنفس وشيء، ويختال في حديقة ورد، إذا به وقد رمى بالبيت والبيتين في إبعاد الاستعارة، أو تعويص اللفظ، أو تعقيد المعنى، إلى المبالغة في التكليف، والزيادة في التعمق، والخروج إلى الإفراط والإحالة والسفسفة، والركاكة والتبرد والتوحش، باستعمال الكلمات الشاذة، فمحا تلك المحاسن، وكدر صفاءها، وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها، واستهدف لسهام العائبين، وتحكك بألسنة الطاعنين: فمن متمثل بقول الشارع (من الكامل):
أنت العروس لها جمال رائق لكنها في كل يوم تصرع
ومن مشبه إياه بمن يقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات وبدائع الطيبات، ثم يتبعها بطعام وضر، وشراب عكر، أومن يتبخر بالند المعشب المثلث، المركب من العود الهندي والمسك الأصهب والعنبر الأشهب، ثم يرنقه بإسار الريح الخبيثة، ويفسده بالرائحة الردية، أو بالواحد من عقلاء المجانين ينطق بنوادر الكلم، وطرائف الحكم، ثم يعتريه سكرة الجنون فيكون أصلح أحواله وأمثل أقواله أن يقول: اعذرني فإن العذرة متعذر فمما نشر أبو الطيب من هذا النمط قوله (من
الخفيف):
أتراها لكثرة العشاق تحسب الدمع خلقة في الآقي؟
وهو ابتداء ما سمع بمثله، ومعنى تفرد بابتداعه، ثم شفعه بما لا يبالي العاقل أن يسقطه من شعره فقال:
كيف ترثي التي كل جفن راءها غير جفنها غير راقي
وقوله (من الطويل):
ليالي بعد الظاعنين شكول طوال، وليل العاشقين طويل
[ ٦٨ ]
بين لي البدر الذي لا أريده ويخفين بدرًا ما إليه وصول
وما عشت من بعد الأحبة سلوة ولكنني للنائبات حمول
وما شرقي بالماء إلا تذكرا لماء به أهل الخليط نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقه فليس لظمآن إليه سبيل
من قصيدة اخترع لأكثر معانيها، وتسهل في ألفاظها، فجاءت مصنوعة، ثم اعترضته تلك العادة المذمومة، فقال:
أغركم طول الجيوش وعرضها على شروب للجيوش أكول
إذا لم تكن لليث إلا فريسة غذاه ولم ينفعك أنك فيل
ثم أتى بما هو أطم منه فقال، وذكر الصاحب أنه من أوبده التي لا يسمع طول الأبد بمثلها:
إذا كان بعض الناس سيفا ًلدولة ففي الناس بوقات لها وطبول
فإن تكن الدولات قسما فإنها لمن ورد الموت الزؤام تدول
قال الصاحب: قوله (الدولات) و(تدول) من الألفاظ التي لو رزق فضل السكوت عنها لكان سعيدا. وقال من قصيدة جمع فيها الشذرة والبعرة، والدرة والآجرة (من الكامل):
لك يا منازل في الفؤاد منازل أفقرت أنت، وهن منك أواهل
وهذا ابتداء حسن ومعنى لطيف، ثم قال:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل
وهو وإن كان مأخوذا من قول دعبل (من الكامل):
لا تطلبا بظلامتي أحدا طرفي وقلبي في دمى اشتراكا
فإنه آخذ بأطراف الرشاقة والملاحة، ثم استمر في قصيدته، فجاء بالمتوسط المقارب والبديع الناذر والرديء النافر، حيث قال:
[ ٦٩ ]
ولذا أسم أغطية العيون جفونها من أنها عمل السيوف عوامل
وهذا معنى في نهاية الحسن واللطف لو ساعده اللفظ، ثم قال:
كم وقفة سجرتك شوقا بعدما غري الرقيب بنا ولج العاذل
فلم يحسن موقع قوله (سجرتك) أي ملأتك (هكذا الرواية بالجيم، ولو كانت بالحاء من السحر لم يكن بأس) ثم قال وملح:
دون التعانق ناحلين كشكلتي نصب أدفهما وضم الشاكل
أي: قريب بعضنا من بعض، ولم نتعانق خوف الرقيب. ثم قال فأحسن غاية الإحسان:
للهو آونة تمر كأنها قبل يزودها حبيب راحل
جمح الزمان فما لذيذ خالص مما يشوب، ولا سرور كامل
حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤيته المنى وهو المقام الهائل
قال ابن جني: وهذا خروج غريب ظريف حسن، ما أعرفه لغيره، يقول إن المنى رؤيته إلا أن هيبته تهول. ثم قال فجمع أوصافها في بيت واحد:
للشمس فيه وللرياح وللسحاب وللبحار وللأسود شمائل
ثم قال وتحذق وتبرد:
ولديه ملعقيان والأدب المفاد وملحياة وملمات مناهل
وإنما ألم في صدر هذا البيت بقول أبي تمام (من المنسرح)
نأخذ من ماله ومن أدبه
ثم قال:
علامة العلماء واللج الذي لا ينتهي، ولكل لج ساحل
[ ٧٠ ]
ثم قال فأحال:
لو طاب مولد كل حي مثله ولد النساء وما لهن قوابل
قال القاضي أبو الحسن: إن طيب المولد لا يستغني به عن القابلة، وإن استغنى عنها كان ماذا؟ وأي فخر فيه؟ وأي شرف ينال به؟ ثم توسط وقارب فقال:
ليزد بنو الحسن الشراف تواضعا هيهات تكتم في الظلام مشاعل
ستروا الندى ستر الغراب سفاده فبدا، وهل يخفى الرباب الهاطل؟
ثم قال وتوحش وتبغض ما شاء الحاسد:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم شيم على الحسب الأغر دلائل
يريد بالجفخ الفخر والبذخ، ثم قال:
يا افخر الناس فيك ثلاثة: مستعظم، أو حاسد، أو جاهل
أي: يا هذا افخر، فحذف المنادي، وتباغض وتبادي ثم قال:
لا تجسر الفضحاء تنشد هاهنا شعرا، ولكني الهزبر الباسل
ثم قال وأرسله مثلا سائرا، وأحسن جدا:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
ما نال أهل الجاهلية كلهم شعري، ولا سمعت بسحري بابل
ثم قال وتعسف في اللفظ:
أما وحقك وهو غاية مقسم للحق أنت، وما سواك الباطل
[ ٧١ ]
الطيب أنت إذا أصابك طيبه والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وتقدير الكلام: الطيب أنت طيبه إذا أصابك، والماء أنت غاسله إذا اغتسلت به، وإنما ألم فيه بقول القائل (من الخفيف):
وتزيدين طيب طيبًا إن تمسيه، أين مثلك أينا؟!
وقال من قصيدة كهذه التي تقدمت (من البسيط):
قد علم البين منا البين أجفانا تدمي، وألف في ذا القلب أحزانا
أملت ساعة ساروا كشف معصمها ليلبث الحي دون السير حيرانا
بالوخدات وحاديها وبي قمر يظل من وخدها في الخدر حشيانا
وحشيان - بالحاء المهملة - من الغريب الوحشي، الذي لا يأنس به السمع ولا يقبله القلب. يقال: حشي الرجل حشيا، إذا أخذه البهر يقول: إذا وخدت الإبل تحت هذا القمر أخذه لترفه. ومن المؤدبين من يروي خشيانا بالخاء معجمة من الخشية ثم قال، وأحسن ولطف وظرف:
قد كنت أشفق من دمعي على بصري فاليوم كل عزيز بعدكم هانا
ثم أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا، فأتى - كما قال الصاحب - بأخزى الخزايا، فقال:
لو استطعت ركبت الناس كلهم إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
قال الصاحب: ومن الناس أمه، فهل ينشط لركوبها؟ والممدوح لعل له عصبة لا يريد أن يركبوا إليه. فهل في الأرض أفحش من هذا السخف وأوضع من هذا التبسط؟ ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:
فالعيس أعقل من قوم رأيتهم عما يراه من الإحسان عميانا
[ ٧٢ ]
وقال، ثم قال وأجاد في مدح الممدوح:
إن كوتبوا، أولقوا، أوحوربوا، وجدوا في الخط واللفظ والهجاء فرسانا
كأن ألسنهم في النطق قد جعلت على رماحهم في الطعن خرصانا
كأنهم يردون الموت من ظمإ أو ينشقون من الخطي ريحانا
ثم قال:
خلائق لو حواها الزنج لانقلبوا ظمى الشفاه جعاد الشعر غرانا
والزنجي لا توجد إلا جعد الشعر، فكيف ينقلون عن الجعودة إلى الجعودة؟ وقد احتج عنه أصحاب المعاني بما يطول ذكره. والعجب كل العجب من خاطر يقدح بمثل قوله في قصيدة (من المتقارب):
وملمومة زرد ثوبها ولكنه بالقنا مخمل
يفاجئ جيشًا بها حينه وينذر جيشًا بها القسطل
ثم يتصور في هذا الكلام الغث الرث فيتبعه به حيث يقول:
جعلتك في القلب لي عدة لأنك باليد لا تجعل
ولو قاله بعض صبيان المكاتب لاستحيا له منه
ومنها