وإذا كان المتنبي من المحدثين، بل من العصريين، وجرى على رسومهم في اختيار الألفاظ المعتادة المألوفه بينهم، بل ربما انحط عنهم بالركاكة والسفسفة ثم تعاطي الغريب الوحشي، والشاذ البدوي، بل ربما زاد في ذلك على أقحاح المتقدمين حصل كلامه بين طرفي نقيض، وتعرض لاعتراض الطاعنين.
[ ٧٧ ]
فمن ذلك الفن الذي ينادي على نفسه، ويقلق موقعه في شعره وشعر غيره من أبناء عصره قوله (من الوافر):
وما أرضي لمقلته بحلم إذا انتبهت توهمه ابتشاكا
والابتشاك: الكذب، ولم أسمع فيه شعرًا قديما ولا محدثا سوى هذا البيت وقله في وصف الغيث (من الوافر):
لساحيه على الأجداث حفش كأيدي الخيل أبصرت المخالي
الساحي: القاشر، ومنه سميت المسحاة لأنها تقشر وجه الأرض، والحفش: مصدر حفش السيل حفشيًا، إذا جمع الماء من كل جانب إلى مستنقع وقوله في وصف السيف (من الخفيف):
ودقيق قدى الهباء أنيق متوال في مستو هزهاز
قدى: بمعنى مقدار، يقال: بينهما قيد رمح، وقدى رمح وقوله (من الكامل):
تطس الخدود كما تطسن اليرمعا
تطسن: أي تدق، واليرمع: الحجارة الرخوة وقوله (من الكامل):
وإلى حصى أرض أقام بها بالناس من تقبيلها يلل
اليلل: إقبال الأسنان وانعطافها على باطن الفم، ولم أسمعه في غير شعره وقوله (من الكامل):
الشمس تشرق والسحاب كنهورًا
الكنهور: القطع من السحاب العظيمة وقوله (من البسيط):
(وكيف أستر ما أوليت من حسن) وقد غمرت نوالا أيها النال
والنال: المعطي
وقوله (من الوافر):
[ ٧٨ ]
أسائلها عن المتديريها
قال الصاحب: لفظة (المتديريها) لو وقعت في بحر صاف لكدرته، ولو ألقى ثقلها على جبل سام لهده، وليس وليس للمقت فيها نهاية، ولا للبرد معها غاية. المتديروها: المتخذوها دارًا قال الصاحب: ومن أطم ما يتعاطاه التفاصح بالألفاظ
النافرة، والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء، وغذي لبن، لم يطأ الحضر، ولم يعرف المدر فمن ذلك قوله (من الطويل):
أيفطمه التوراب قبل فطامه ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
وليس ذلك ساءغا لمثله، وهو وليد قرية، ومعلم صبية ومن الجموع الغريبة التي يوردها قوله في جمع الأرض (من الوافر):
أروض الناس من ترب وخوف وأرض أبي شجاع من أمان
وقوله في جمع اللغة (من الطويل):
علم بأسرار الديانات واللغى
وقوله في جمع الدنيا (من الطويل)
أعز مكان في الدني سرج سابح
وقوله في جمع الأخ (من الخفيف):
كل آخائه كرام بني الدنيا
قال الصاحب: لو وقع (الآخاء) في رائية الشماخ لا ستثقل، فكيف مع أبيات منها:
قد سمعنا ما قلت في الأحلام وأنلناك بدرة في المنام
والكلام إذا لم يتناسب زيفته جهابذته، وبهرجته نقاده
[ ٧٩ ]
ومنها