في المراثي والتعازي
كقوله (من المنسرح):
سالم أهل الوداد بعدهم يسلم للحزن لا لتخليد
أي: إذا مات الصديق يسلم صديقه للحزن لا للخلود، لأن كلا ميت
فما ترجى الخلود من زمن أحمد حاليه غير محمود
أي: أحمد حاليك أن تبقى مع صديقك، وهو مع ذلك غير محمود لتعجيل الحزن وانتظار الأجل.
المجد أخسر والمكارم صفقة من أن يعيش بها الكريم الأروع
والناس أنزل في زمانك منزلا من أن تعايشهم وقدرك أرفع
قبحًا لوجهك يا زمان؛ فإنه وجه له من كل قبح برقع
أيموت مثل أبي شجاع فاتك ويعيش حاسده الخصى الأوكع؟
وقوله (من البسيط):
عدمته وكأني سرت أطلبه فما تزيدني الدنيا على العدم
من لا يشابهه الأحياء في شيم أمسى يشابهه الأموات في الرمم
أحسن ولله وأبدع ما شاء!.
وقوله (من الطويل):
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا وأعيا دواء الموت كل طبيب
[ ١٣٢ ]
سبقنا إلى، فلو عاش أهلها منعنا بها من جيئة وذهوب
تملكها الآتي تملك سالب وفارقها الماضي فراق سليب
هذا كقول بعضهم في الموعظة: (وإن ما في أيديكم أسلاب الهالكين، ويستخلفها الباقون كما تركها الماضون)
علينا لك الإسعاد إن كان نافعا بشق قلوب لا يشق جيوب
فرب كئيب ليس تندى جفونه ورب كثير الدمع غير كثيب
وللواجد المكروب من زفراته سكون عزاء أو سكون لغوب
وقوله (من الكامل):
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى أن الكواكب في التراب تغور
ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى رضوى على أيدي الرجال تسير
خرجوا به، ولكل باك خلفه صعقات موسى يوم دك الطور
حتى أتوا جدنا كأن ضريحه في كل قلب موحد محفور
كفل الثناء له برد حياته لما انطوى فكأنه منشور
وقوله في تعزية سيف الدولة عن أخته (من الخفيف):
ولعمري لقد شغلت المنايا بالأعادي فكيف يطلبن شغلا
وكم انتشت بالسيوف من الدهر أسير وبالنوال مقلا
خطبة للحمام ليس لها رد وإن كانت المساة ثكلا
وإذا لم تجد من الناس كفوًا ذات خدر أرادت الموت بعلا
[ ١٣٣ ]
هذا أحسن ما قبل في مرثية حرم الملوك، وقوله في مرثية طفل لسيف الدولة وتعزيته عنه (من الطويل):
فإن تك في قبر فإنك في الحشا وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكي على قدر سنه ولكن على قدر المخيلة والفضل
عزاءك سيف الدولة المقتدى به فإنك نصل، والشدائد للنصل
ولم أر أعصى فيك للحزن عبرة وأثبت عقلا، والقلوب بلا عقل
تخون المنايا عهده في سليله وتنصره بين الفوارس والرجل
ويبقى على مر الحوادث صبره ويبدو كما يبدو الفرند على الصقل
وما الموت إلا سارق رق شخصه يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
يرد أبو الشبل الخميس عن ابنه ويسلمه عند الولادة للنمل
إذ ما تأملت الزمان وصرفه تيقنت أن الموت ضرب من القتل
وما الدهر أهل أن يؤمل عنده حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل
وقوله (من السريع):
نحن بنو الدنيا فما بالنا نعاب ما لا بد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا على زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوه وهذه الأجسام من تربه
لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يسبيه لم يسبه
لم ير قرن الشمس في شرقه فشكت الأنفس في غربه
يموت راعي الضأن في جهله موته جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره وازداد في الأمن على سربه
وغاية المفرط في سلمه كغاية المفرط في حربه؟
فلا قضى حاجته طالب فؤاده يخفق من رعبه!
[ ١٣٤ ]
ومنها