قطعة من حل الصاحب وغيره نظم المتنبي
واستعانتهم بألفاظه ومعانيه في الترسل
فصل له من رسالة في وصف قلعة افتتحها عضد الدولة: وأما قلعة (كذا) فقد الدهر المديد، والأمد البعيد، تعطس بأنف شامخ من المنعة، وتنبو بعطف جامح على الخطبة، وترى أن الأيام
[ ٤٢ ]
قد صالحتها على الإعفاء من القوارع، وعاهدتها على التسليم من الحوادث، فلما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها، وأبا بأسها ونجدتها، جهلوا بون ما بين البحور والأنهار، وظنوا الأقدار تأتيهم على مقدار. فما لبثوا أن رأوا معقلهم الحصين ومثواهم القديم، نهزة الحوادث، وفرصة البوائق. ومجر العوالي، ومجرى السوابق. وإنما ألم بألفاظ بيتين لأبي الطيب أحدهما (من
الكامل):
حتى أتي الدنيا ابن بجدتها فشكا إليه السهل والجبل
والآخر (من الطويل):
تذكرت ما بين العذيب وبارق مجر عوالينا ومجرى السوابق
وفصل له - لئن كان الفتح جليل الخطر، عظيم الأثر، فإن سعادة مولانا لتبشر بشوافع له، يعلم معها أن الله أسرارًا في علاه لا يزال يبديها، ويصل أوائلها بتواليها. وهو من قول أبي الطيب (من الطويل):
ولله سر في علاك، وإنما كلام العدى ضرب من الهذيان
فصل - ولو كان ما أحسنه شظية في قلم كاتب لما غيرت خطه، أو قذى في عين نائم لما انتبه جفنه. وهو من قول أبي الطيب (من الطويل):
ولو قلم ألقيت في شق رأسه من السقم ما غيرت من خط كاتب
وقول نصر (من السريع):
ضنيت حتى صرت لو زج بي في ناظر النائم لم ينتبه
ومنه أخذ ابن العميد قوله (من الكامل):
فلو أن أبقيت في جسدي قذى في العين لم يمنع من الإعفاء
فصل للصاحب في التعزية - إذا كان الشيخ القدوة في العلم وما يقتضيه،
[ ٤٣ ]
والأسوة في الدين وما يجب فيه. لزم أن يتأدب في حالات الصبر والشكر بأدبه، ويؤخذ في ثارات الأسى والأسى بمذهبه. فكيف لنا بتعزية عند حادث رزيته، إلا إذا روينا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه طائفة مما استفدناه منه. وإنما هو حل من قولي أبي الطيب (من الخفيف):
أنت يا فوق أن يعزي عن الأحباب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عزاك قال الذي له قلت قبلا
وفصل له - وقد أثني عليه ثناء لسان الزهر، على راحة المطر وهو من قول أبي الطيب (من الكامل):
وذكى رائحة الرياض كلامها تبغي الثناء على الحيا فيفوح
والأصل فيه قول ابن الرومي (من الخفيف):
شكرت نعمة الولي على الوسمي ثم العهاد بعد العهاد
فهي تثني على السماء ثناء طيب النشر شائعا في البلاد
من نسيم كأن مسراه في الأرواح مسرى الأرواح في الأجساد
ومما أورده من أبيات أبي الطيب كما هي قوله في كتاب أجاب به ابن العميد عن كتابه الصادر إليه عن شاطئ البحر في وصف مراكبه وعجائبه:
[ ٤٤ ]
وقد علمت أن سيدنا كتب وما أخطر بفكرة، سعة صدره، ولو فعل ذلك لرأى البحر وشلالا يفضل عن التبرض، وثمدًا لا يكثر عن الترشف (من الطويل):
وكم من جبال جبت تشهد أنني الجبال وبحر شاهد أنني البحر
وله من رسالة في التهنئة ببنت أولها - أهلا بعقيلة النساء، وكريمة الآباء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، ثم يقول فيها (من الوافر):
ولو كان النساء كمثل هذي لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال
وهما لأبي الطيب من قصيدة في مرثية والدة سيف الدولة إلا يقول:
ولو كان النساء كمن فقدنا
وللصاحب من كتاب تعزية - وقلنا: قد أخذ الزمان من أخذ، وترك من ترك، فهو لاشك يعفو عن القمر، وقد أسلم الشمس للطفل ولا يصل الصروف بالصروف، ولا يجمع الكسوف إلى الخسوف، فأبي حكم الملوين، وقد غبنك إذ قاسمك الأخوين، إلا أن يعود فيلحق الباقي بالفاني، والغابر
[ ٤٥ ]
بالماضي (من البسيط):
وعاد في طلب المتروك تاركه إنا لنفعل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتًا كان بينهما كأنه الوقت بين الورد والقرب
أقول: هذا كعادة المصدور في النفث، وشكوى الحزن والبث، وإلا فما يعجب السفر من تقدم بعض، وكل بين الراحلة والرحل، لا يترك الموت ساعيا على وجه الأرض، حتى ينقله إلى بطن الترب من (من السريع):
نحن بنو الموتى فما بالنا نعاف ما لابد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا على زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوه وهذه الأجسام من تربه
وهذا غيض من فيض ما اغترفه الصاحب من بحر المتنبي، وتمثل به من شعره. ولو ذكرت نظائره لامتد نفس هذا الباب. وليس هو بأوحد في الاقتباس من كلامه، هذا أبو إسحاق الصابي رسيله في ذلك وزميله، وقد قرأت له غير فصل فيما أشرت إليه، ونبهت عليه: فمنه ما كتب في تقريظ - شاب مقتبل الشبيبة، مكتهل الفضيلة، ولقد آتاه الله في اقتبال العمر جوامع الفضل وسوغه في عنفوان الشباب محامد الاستكمال، فلا تجد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول المدة، وثلمة تسدها بمزايا الحنكة. وإنما هو حل نظم أبي الطيب، وإن كان في معنى آخر (من المنسرح):
لا تجد الخمر في مكارمه إذا انتشى خلة تلافاها
وأخذ من قول البحتري (من الطويل):
تكرمت من قبل الكؤوس عليهم فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما
ومنه ما كتب إلى ابن معروف تهنئة بقضاء - منزلة قاضي القضاة
[ ٤٦ ]
تجل عن التهنئة، لأن ما تكتسبه الولاة بها من الصيت والذكر، ويدرعونه فيها من الجمال والفخر، سابق لها عنده، وحاصل قبلها له، وإذا مد أحدهم إليها يدا تجذبها إلى سفال، جذبتها يده إلى المحل العالي، فكأن أبا الطيب المتنبي عناه أو حكاه بقوله
(من الكامل):
فوق السماء وفوق ما طلبوا فإذا أرادوا غاية نزلوا
ومنه ما كتب - وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى الروض الماحل. وإنما هو من قول أبي الطيب (من المتقارب):
وعدت إلى حلب ظافرا كعود الحلي إلى العاطل
وإذا كان هذان الصدران المقدمان على بلغاء الزمان يقتبسان من أبي الطيب في رسائلهما، فما الظن بغيرهما؟ وما أحسن قول الشاعر (من الطويل):
ألا إن حل الشعر زينة كاتب ولكن منهم من يحل فيعقد
وممن يحذو حذوهما الأستاذ أبو العباس أحمد إبراهيم الضبي، وما أظرف ما قرأت له في كتابه إلى أبي سعيد الشبيبي: وقد أتاني كتاب شيخ الدولتين فكان في الحسن، روضة حزن بل جنة عدن. وفي شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب. وهو من بيت أبي الطيب (من البسيط):
كأن كل سؤال في مسامعه قميص يوسف في أجفان يعقوب
وفصل لأبي بكر الخوارزمي - وكيف أمدح الأمير بخلق ضن به الهواء،
[ ٤٧ ]
وامتلأت من ذكره الأرض والسماء، وأبصره الأعمى بلا عين، وسمه الأصم بلا أذن. وهو حل نظم أبي الطيب (من المنسرح):
تنشد أثوابنا مدائحه بألسن ما لهن أفواه
إذا مررنا على الأصم بها أغنته عن مسمعيه عيناه
ولأبي بكر من رسالة - ولقد تساوت الألسن حتى الأبكم، وأفسد الشعر حتى أحمد الصمم. وهو قول أبي الطيب (من البسيط):
ولا تبال بشعر بعد شاعره قد أفسد القول حتى أحمد الصمم
وهذا ميدان عريض، وشوط بطين، وفيما ذكرته كفاية.
ولاستراقات الشعراء من أبي الطيب باب هذا مكانه.