لما أنجحت سفرته، وربحت تجارته بحضرة عضد الدولة، ووصل إليه من صلاته أكثر من مائتي ألف درهم استأذنه في المسير عنها ليقضي حوائج في نفسه، ثم إليها فأذن له، وأمر بأن نخلع عليه الخلع الخاصة، ويقاد إليه الحملان الخاص، وتعاد صلته بالمال الكثير، فامتثل، وأنشده أبو الطيب الكافية التي هي آخر شعره، وفي أضعافها كلام جرى على لسانه كأنه ينعى فيه نفسه، وإن لم يقصد ذلك، فمنه قوله (من الوافر):
فلو أني استطعت خفضت طرفي فلم أبصر به حتى أراكا
وهذه لفظة يتطير منها. ومنه
إذا التوديع أعرض قال قلبي عليك الصمت لا صاحبت فاكا
[ ١٤٢ ]
ولولا أن أكثر ما تمنى معاودة لقلت ولا مناكا
أي: لو أن أكثر ما تمنى أن يعاودك لقلت له: ولا بلغت أنت أيضًا مناك، وهذا أيضًا من ذاك. ومنه:
وقد استشفيت من داء بداء وأقتل ما أعلك ما شفاكا
أي: قد أضمر يا قلب إلى أهلك، وكان ذلك داء لك، فاستشفيت منه بأن فارقت عضد الدولة، ومفارقته داء أيضا أعظم من داء شوقك إلى أهلك، وهذا سبه قول النبي ﷺ (كفى بالسلامة داء) وقول حميد بن ثور (من الطويل):
وحسبك داء أن تصح وتسلما
و(أقتل ما أعلك ما شفاكا) من ألفاظ الطيرة أيضا، ومنه:
وكم دون الثوية من حزين يقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية: من الكوفة، يقول له (قدومي ذا بذاك) أي هذا القدوم بتلك الغيبة، وهذا السرور بذلك الحزن، لم يقل (إن شاء الله تعالى) ومنه:
ومن عذب الرضاب إذا أنخنا يقبل رحل تروك والوراكا
تروك: اسم ناقة لم ير مثلها لعضد الدولة أمر له بها، والوراك: شيء يتخذه الراكب كالمخدة تحت وركه
يحرم أن يمس الطيب بعدي وقد عبق العبير به وصاكا
وهذا أيضا من تلك الألفاظ. ومنه:
وفي الأحباب مختص بوجد وآخر يدعي معه اشتراكا
إذا اشتبهت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى
[ ١٤٣ ]
وهذا أيضا من ذاك. ومنه:
فزل يا بعد عن أيدي ركاب لها وقع الأسنة في حشاكا
هذه استعارة حسنة لأنه خاطب البعد وجعل حشا. ومنه:
وأيًا شئت يا طرقي فكوني أذاة أو نجاة أو هلاكا
جعل قافية البيت الهلاك فهلك، وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال ووفور ما، فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر به كاستمرارها في مملكة عضد الدولة، ولم يقبل ما أشير به عليه من الاحتياط باستصحاب الخفراء والمبذرقين، فجرى ما هو مشهور من خروج سرية من الأعراب عليه ومحاربتهم إياه، وتكشف الوقعة عن قتلة وابنه محسد ونفر من غلمانه، وفاز الأعراب بأمواله وذلك في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة أنشدني أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي الكاتب لنفسه في مرئية المتنبي (من الخفيف):
لا رعى الله سرب هذا الزمان إذ دهانا في مثل ذاك اللسان
ما رأى الناس ثاني المتنبي أي ثان يرى لبكر الزمان؟
كان من نفسه الكبيرة في جيش وفي كبرياء ذي سلطان
كان في لفظه نبيًا، ولكن ظهرت معجزاته في المعاني
فصل - وقد جمح بي القلم في إشباع هذا الباب وتذليله، وتصيره كتابا برأسه في أخبار أبي الطيب والاختيار من أشعاره والتنبيه على محاسنه ومساويه، وقد كان بعض الأصدقاء سألني عمل ذلك، وله الآن فيه كفاية، وبه غنية، فإن أحب إفراده عن الأبواب كان كتابا على حدة، وإن نشط لانتساخ الجميع تضاعفت الفوائد لديه، وانثالت القلائد عليه، بمشيئة الله وإرادته.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
[ ١٤٤ ]