كن أيها السجن كيف شئت فقد وطنت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصة لم يكن الدرسا كن الصدف
ويحكي أنه تنبأ في صباه، وفتن شرذمة بقوة أدبه، وحسن كلامه. وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبت بالمتنبي لقولي (من الخفيف):
أنا ترب الندى ورب القوافي وسمام العدا وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها الله وغريب كصالح في ثمود
وفي هذه القصيدة يقول:
ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود
ومازال في برد صباه إلى أن أخلق برد شبابه، وتضاعف عقود عمره، يدور حب
الولاية والرياسة في رأسه، ويظهر ما يضمر من كامن وسواسه، في الخروج على السلطان، والاستظهار بالشجعان، والاستيلاء على بعض الأطراف، ويستكثر من التصريح بذلك في مثل قوله (من البسيط):
لقد تصبرت حتى لات مصطبر فالآن أقحم حتى لات مقتحم
لأتركن وجوه الخيل ساهمة والحرب أقوم من ساق على قدم
[ ٣٣ ]
(والطعن يحرقها والزجر يقلقها حتى كأن بها ضربا من اللمم
قد كلمتها العوالي فهي كالحة كأنما الصاب مذرور على اللجم)
بكل منصلت مازال منتظري حتى أدلت له من دولة الخدم
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ويستحل دم الحجاج في الحرم
ومن قوله (من الطويل):
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ كانهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دعوا كثير إذا شدوا، قليل إذا عدوا
وطعن كأن الطعن لا طعن بعده وضرب كأن النار من حره برد
إذا شئت حفت بي على كل سابح رجال كأن الموت في فمها شهد
وقوله (من الطويل):
ولا تحسبن المجد زقًا وقينة فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الملوك، وأن ترى لك الهبوات السود والعسكر المجر
وتركك في الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أنملة العشر
وقوله (من البسيط):
وإن عمرت جعلت الحرب والدة والسمهري أخا، والمشرفي أبا
بكل أشعث يلقي الموت مبتسمًا حتى كأن له في قتله أربا
قح يكاد صهيل الخيل يقذفه من سرجه مرحًا للعز أو طربًا
الموت أعذرلي، والصبر أجمل بي، والبر أوسع، والدنيا لمن غلبا
وكان كثيرًا ما يتجشم أسفارًا بعيدة أبعد من آماله، ويمشي في مناكب الأرض، ويطوي الناهل والمراحل، ولا زاد إلا من ضرب الحراب، على
[ ٣٤ ]
صفحة المحراب. ولا مطية إلا الخف أو النعل، كما قال (من المنسرح):
لا ناقتي تقبل الرديف ولا بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها، ومشفرها زمامها، والشسوع مقودها
وإنما آلم في هذا المعنى بأبي نواس في قوله (من الطويل):
إليك أبا العباس من بين من مشى عليها امتطينا الحضرمي الملسنا
قلائص لم تعرف حنينًا على طلا ولم تدرما قرع الفنيق ولا الهنا
وكما قال في شكوى الدهر ووصف الخف (من الكامل):
أظمتني الدنيا فلما جئتها مستسقيا مطرت على مصائبا
وحبيت من خوض الركاب بأسود من دارش فغدوت أمشي راكبا
وكما قال في الاعتداد بالرحلة، والقدرة على الرجلة (من المنسرح):
ومهمه جبته على قدمي تعجز عنه العرامس الذلل
(بصارمي مرتد، بمخبرتي مجتزئ، بالظلام معتمل)
[ ٣٥ ]
إذا صديق نكرت جانبه لم تعيني في فراقه الحيل
في سعة الخافقين مضطرب وفي بلاد من أختها بدل
وشتان ما بين حاله هذه والحال التي قال فيها (من البسيط):
وعرفاهم بأني من مكارمه أقلب الطرف بين الخيل والخول
وكان قبل اتصاله بسيف الدولة يمدح القريب والغريب، ويصطاد ما بين الكركي والعندليب. ويحكى أن على بن منصور الحاجب لم يعطء على قصيدة فيه التي أولها (من الكامل):
بأبي الشموس الجانحات غواربا (اللابسات من الحرير جلاببا)
ومنها:
حال متى علم أبن منصور بها جاء الزمان إلى منها تائبا
إلا دينارا واحدا، فسميت الدينارية. ولما انخرط في سلك سيف الدولة، ودرت له إخلاف الدنيا على يده. كان قوله فيه (من الطويل):
تركت السري خلفي لمن قل ماله وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيدت نفسي في هواك محبة ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا
وهذا البيت من قلائده، وإنما ألم فيه بقول أبي تمام (من الكامل):
هممي معلقة عليك رقابها مغلولة، إن الوفاء إسار
ولكنه أخذ عباءة وردها ديباجا، وأرسلها مثلا سائرا، وكرر هذا المعنى فزاد فيه حتى كاد يفسده في قوله (من الكامل):
يامن يقتل من أراد بسيفه أصبحت من قتلاك بالإحسان
[ ٣٦ ]