في فنونٍ من الأحاسن مختلفة الترتيب
أحسن ما سمعت في الشمعة قول الصاحب:
ورائق القد مستحب يجمع أوصاف كل صب
صفرة لونٍ وسكب دمعٍ وذوب جسمٍ وحر قلب
أحسن ما سمعت في جاريةٍ سوداء قول بعض الشعراء:
قالوا عشقت من البرية أسودا مهلًا علقت بأضعف الأسباب
فأجبتهم ما في البياض فضيلةٌ وأرى السودا نهاية الطلاب
أهوى الشباب لأن رأسي أشيبٌ يدني الفنا وأحب لون شبابي
وكذلك الكافور بردٌ قاطعٌ والمسك أزكى الطيب للتطياب
للمقلة الحسناء فيه تفاخرٌ وبه تتم صنائع الكتاب
وبه يجمل كف كل خريدةٍ وبه تكحل عين كل كعاب
فتتعتعوا عند الجواب وعادتي أن تخرس النطاق عند جوابي
أحسن ما قيل في النهي عن احتقار العدو الصغير:
فلا تحتقرن عدوًا رماك ولو كان في ساعديه قصر
فإن السيوف تحز الرقاب وتعجز عن أن تنال الإبر
وأحسن ما قيل في الشماتة بموت عدوٍ:
قلت له لما مضى وانقضى لا ردك الرحمن من هالك
يا ملك الموت تسلمته مني فسلمه إلى مالك
[ ١٠٣ ]
أحسن ما قيل في الاعتذار عن الخط الدقيق:
تقول وقد كتبت دقيق خطٍ إليها لم تجنبت الجليلا
فقلت لها عشقت فصار خطي ضعيفًا مثل صاحبه نحيلا
أحسن ما قيل في الاعتذار من شكاية خسيسٍ:
إن كنت أشكو من يدق عن الشكاية في القريض
فالفيل يجزع وهو أعظ م ما رأيت من البعوض
أحسن ما قيل في تسلية محبوسٍ قول البحتري:
أما في رسول الله يوسف أسوةٌ لمثلك محبوسًا على الضيم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهةً فآض به الصبر الجميل إلى الملك
أحسن ما قيل في بخل الجواد قول بعضهم:
ورب جوادٍ يمسك الله جوده كما يمسك الله السحاب عن المطر
ورب كريمٍ تعتريه كزازةٌ كما قد يكون الشوك في أكرم الشجر
وأحسن ما قيل في السرور بالبشرى:
ورد البشير بما أقر الأعينا وشفى النفوس فنلن غايات المنى
فتقاسم الناس المسرة بينهم قسمًا وكان أجلهم حظًا لنا
أحسن ما قيل في الوداع:
أيا عجبي ممن يمد يمينه إلى إلفه يوم الوداع فيسرع
ضعفت عن التوديع لما رأيته فصافحته بالقلب والعين تدمع
أحسن ما سمعت في توديع المشكور:
تفضلت الأيام بالجمع بيننا فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد
فجد لي بقلبٍ إذ رحلت فإنني مخلف قلبي عند من فضله عندي
وهكذا يقول مؤلف الكتاب للمؤلف له وباسمه هذا الكتاب، وقد أزف رحيله عن
[ ١٠٤ ]
جنابه، كما قال أبو فراسٍ موقر الظهر وقرًا وشكرًا، فكأنه به وهو ينشد:
وموقفٍ للوداع ألبسني لباس همٍ يسوء موقعه
فقلت والدمع قدر شرقت به أستودع الله من أودعه
آخر كتاب أحسن ما سمعت
[ ١٠٥ ]