من أحسن ما قيل في بغداد:
سافرت أبغي لبغداد وساكنها مثلًا فحاولت شيئًا دونه الياس
هيهات بغداد الدنيا بأجمعها عندي وسكان بغداد هم الناس
وقول لآخر فيها أيضًا:
سقى الله بغداد من بلدة حوت كل ما لذ للأنفس
ولكنها منية الموسرين كما أنها حسرة المفلس
ومن أحسن ما سمعت في مدح مصر قول كشاجم:
أما ترى مصرًا وقد جمعت بها صنوف الرياض في مجلس
السوسن الغض والبنفسج وال ورد وصفر البهار والنرجس
كأنها الجنة التي جمعت ما تشتهيه العيون والأنفس
كأنما الأرض ألبست حللًا من فاخر العبقري والسندس
ومن أحسن ما قيل في دمشق قول الصنوبري:
[ ٥٣ ]
صفت دنيا بدمشق لقاطنيها فلست ترى بغير دمشق دنيا
تفيض جداول البلور فيها خلال حدائق ينبتن وشيا
مكللةً فواكهن أبهى ال مناظر في نواظرها وأهيا
فمن تفاحة لم تعد خدًا ومن أترجة لم تعد ثديا
ومن أبدع ما قيل في همذان قول القائل:
همذان متلفة النفوس ببردها والزمهرير وحرها مأمون
غلب الشتاء مصيفها وربيعها فكأنما تموزها كانون
ومن الملح في مدينة هراة:
هراة أرض خصبها واسع ونبتها التفاح والنرجس
ما أحد منها إلى غيرها يخرج إلا بعدما يفلس
ومن أملح ما قيل في بخارى:
أقمنا في بخارى كارهينا ونخرج إن خرجنا طائعينا
فأخرجنا إله الناس منها فإن عدنا فإنا ظالمونا
ومما يستظرف لأبي الربيع قوله في الشاش:
الشاش في الصيف جنه ومن أذى الحر جنه
لكنني يعتريني بها لدى البرد جنه
ومما قيل في الدور والأبنية:
ومن المروءة للفتى ما عاش دار فاخره
فاقنع من الدنيا بها واعمل لدار الآخره
وقول البحتري في الجعفري:
قد تم حصن الجعفري ولم يكن ليتم إلا بالخليفة جعفر
في رأس مشرفة حصاها جوهر وترابها مسك يشاب بعنبر
[ ٥٤ ]
مخضرة والغيث ليس بساكب ومضيئة والليل ليس بمقمر
ملأت جوانبها السماء وعانقت شرفاتها قطع السحاب الممطر
وقول بعض شعراء الصاحب:
دار على العز والتأييد مبناها وللمكارم والعياء معناها
فاليمن أقبل مقرونًا بيمناها واليسر أقبل مقرونًا بيسراها
لما بنى الناس في دنياك دورهم بنيت في دارك الغراء دنياها
ولو رضيت مكان الفرش أعيننا لم تبق عين لنا إلا فرشناها
وقال مؤلف الكتاب في القصر العالي:
وقصر مللك ترى كل الجمال به وطالع السعد يبدو من جوانبه
كأنما جنة الفردوس قد نزلت إلى خوارزم تعجيلًا لصاحبه
ومن أحسن ما قيل في انتقال الإمارة من يد إلى يد:
أقام بصحنها لؤم ابن سهل وفارق ربعها كرم الحسين
وكانت جنةً فغدت جحيمًا فيا بعد اختلاف الحالتين
ومن أحسن ما قيل في الأوطان قول ابن الرومي:
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
وكان الصاحب ينشد كثيرًا:
أكرم أخاك بأرض مولده وأمده من فعلك الحسن
فالعز مطلوب وملتمس وأعزه ما نيل في الوطن
ومن أحاسن ذلك قول بعضهم:
إذا نلت في أرض معاشًا وثروةً فلا تكثرن منها النزاع إلى الوطن
[ ٥٥ ]
فما هي إلا بلدة مثل بلدة وخيرهما ما كان عونًا على الزمن
ومن أحسن ما قيل في منتزهات الضياع:
شجر مورق وظل ظليل وبقاع كأنها كافوره
ورياض تهتز من زهر الرو ض ومن كل طرفة باكوره
بين نخل وبين كرم ورما ن وتفاحة إلى زعروره
تتغنى الطيور فيها بلحن منه يبكي المهجور والمهجوره
أحسن ما سمعت في الماء الجاري قول بعضهم:
وماء على الرضراض يجري كأنه صفائح تبر قد سبكن جداولا
كأن بها من شدة الجري جنة وقد ألبستهن الرياح سلاسلا
وقول أبي فراس في الماء يشق الروض:
حيث التفت رأيت ما ءً سائحًا ورأيت طلا
والماء يفصل بين زه ر الروض في الشطين فصلا
كبساط وشي جردت=أيدي القيون عليه نصلا وجلس يومًا في البستان والماء يندرج في البرك فقال:
انظر إلى زهر الربيع والماء في البرك البديع
وإذا الرياح جرت علي ه في الذهاب أو الرجوع
نثرت على بيض الصفا ئح بيننا بعض الدروع
وقال أيضًا في ذلك:
كأنما الماء عليه الجسر درج بياض خط فيه سطر
[ ٥٦ ]
كأننا لما تهيا العبر أسرة موسى يوم شق البحر
وأنشد بعضهم في حوض لبعض الرؤساء:
حوض يجود بجوهر متسلسل ساد الجواهر كلها بنفاسته
لا زال عذبًا ببقاء من هو مثله في جوده وسلاسته
وقال مؤلف الكتاب:
أيا طيب عيشي أرى بركةً تسوق إلى روضها ماءها
إذا أنت واجهتها في الدجى حسبت الكواكب حصباءها
ومن أحسن ما قيل في الحمام قول السري:
قد أسعد الطالب مطلوب وفاز بالعز المناجيب
فقم بنا ننعم في منزل نعيمه الذائب محبوب
بيت بنته حكماء الورى فهو إلى الحكمة منسوب
مجاور النار ولكنه يجاور الروح به الطيب
طاب فلو رد شباب امرئٍ لارتد شبانًا به الشيب
وقول مؤلف الكتاب:
وحمام له حر الجحيم ولكن دأبه روح النسيم
رأيت به ثوابًا في عذاب وذقت به نعيمًا في جحيم