في الربيع وآثاره
من أحاسن ما قيل في الربيع قول ابن المارداني:
أما ترى الأرض قد أعطتك عذرتها مخضرةً واكتسى بالنور عاريها
فللسماء بكاءٌ في حدائقها وللرياض ابتسامٌ في نواحيها
وقول الصنوبري:
تبارك الله ما أحلا الربيع فلا يغرر مقايسه بالصيف مغرور
من شم طيب جنيات الربيع يقل لا المسك مسكٌ ولا الكافور كافور
وقول بعضهم:
طاب هذا الهواء وازداد حتى ليس يزداد طيب هذا الهواء
ذهبٌ حيث ما ذهبنا ووردٌ حيث ردنا وفضةٌ في الفضاء
وقول أبي الفتح بن العميد:
أسعد بنيروزٍ أتاك مبشرًا بسعادة وزيارةٍ ودوام
واشرب فقد حل الربيع نقابه عن منظرٍ متهللٍ بسام
[ ٣٨ ]
وقول مؤلف الكتاب:
أظن الربيع الآن قد جاء تاجرًا ففي الشمس بزازًا وفي الريح عطارا
وما العيش إلا أن تواجه وجهه وتقضي بين الوشي والمسك أوطارا
ومن بدائع أبي الفرج قوله في قوس قزحٍ:
سقيًا ليومٍ ترى قوس السماء به والشمس مسفرةٌ والبرق خلاس
كأنها قوس رامٍ والبروق لها رشق السهام وعين الشمس برجاس
ومن أحسن ما قيل في الأيام الربيعية الموصوفة بالدجن والمطر وحسن الأثر قول ابن المعتز:
يوم كأن سماءه حجبت بأجنحة الفواخت
وكأن قطر يثاره در على الأغصان نابت
وقول المهلبي الوزير:
يومٌ كأن سماءه شبه الحصان الأبرش
وكأن زهرةً أرضيه فرشت بأحسن مفرش
والشمس تظهر تارةً وتغيب كالمستوحش
شبهت حمرة عينها بخمار عين المنتشي
ومن أحسن ما قيل في الشرب على الدجن والمطر:
لا يكن للكأس في ي دك يوم الدجن لبث
[ ٣٩ ]
أو ما تعلم أن الد جن ساقٍ مستحث
وقول ابن المعتز:
اشرب فقد دارت الكؤوس وفارقت يومك النحوس
في كل يومٍ جديد روضٍ عليه دمع الندى حبيس
ومأتم في السماء يبكي والأرض من تحتها عروس
وقول الحمداني:
الخمر شمسٌ في غلالة لاذ تجري ومطلعها من الخرداذي
فاشرب على رش الغمام فيومنا في مجلس البستان يوم رذاذ
وانظر إلى لمع البروق كأنها يوم الضراب صفائح الفولاذ
وأحسن ما قيل في اليوم المتلون قول علي بن الجهم:
أما ترى اليوم ما أحلا شمائله صحو وغنيم وإبراقٌ وإرعاد
كأنه أنت يا من لا شبيه له وصلٌ وهجر وتقريبٌ وإبعاد
وأحسن ما قيل في الرياض والزهر:
وروض عن صنيع الغيث راضٍ كما رضي الصديق عن الصديق
إذا ما القطر أسعده صبوحًا أتم له الصنيعة بالغبوق
كأن الدر منتثرًا عليه بقايا الدمع في خد المشوق
[ ٤٠ ]
كأن غصونه شربت رحيقًا فماست ميس شراب الرحيق
كأن شقائق النعمان فيه محضرة كؤوسٌ من عقيق
كأن النرجس الروضي فيه مداهن من لجين للخلوق
يذكرني بنفسجه بقايا صنيع اللطم بالخد الرقيق
ومن ملح ابن سكرة قوله:
أما ترى الروضة قد نورت وظاهر الروضة قد أعشبا
كأنما الروض سماءٌ لنا نقطف منها كوكبًا كوكبا
ولابن المعتز في النسيم:
يا رب ليل سحرٌ كله مفتضح البدر عليل النسيم
تلتقط الأنفاس برد الندى فيه فتهديه لحر الهموم
وفي غناء الطير:
ذرى شجرٍ للطير فيها تشاجر كأن صنوف الزهر فيها جواهر
كأن القماري والبلابل فوقها قيانٌ وأوراق الغصون ستائر
شربنا على ذاك الترنم قهوةً كأن على حافاتها الدر دائر
ولابن المعتز في النرجس:
عيونٌ إذا عاينتها فكأنما وقوع الندى من فوق أجفانها در
محاجرها بيضٌ وأحداقها صفرٌ وأجسادها خضر وأنفاسها عطر
ومن أحسن ما قيل في الورد قول علي بن الجهم:
زائر يهدي إلينا نفسه في كل عام
[ ٤١ ]
حسن الوجه ذكي الرْ رِيح إلف للمدام
كأنما صبغته وجنتا خجلٍ قد حل عقد سراويل وأزرارا
فلو رآه حبيسٌ وسط صومعةٍ لقال في مثل هذا فادخلوا النارا
وقال ابن الحجاج في غلامٍ حياه بوردةٍ:
جنى من البستان لي وردةً أحسن من إنجازه وعدي
فقال والخمرة في كفه كالورد أو أزكى من الورد
اشرب هنيئًا لك يا عاشقي ريقي من كفي على خدي
وقد ظرف بعضهم في قوله:
أتى الورد في زي الخدود من المرد وزاد فحيا بالعبير وبالند
شربنا عليه قهوةً طال عهدها فرقت كما رق الشجي من الوجد
كأنا من الورد النضير وفعله بألواننا وردٌ أضيف إلى ورد
وقوله في باكورة وردٍ لم تفتح:
ووردة تحكي لهذا الورد طليعةً تسرعت من جند
[ ٤٢ ]
قد ضمها في الغصن قرص البرد ضم فمٍ لقبلةٍ من بعد
ومن أحسن ما قيل في الورد:
ووردةٌ في بنان معطار حيث به في لطيف أسرار
كأنها وجنة الحبيب وقد نقطها عاشقٌ بدينار
وأحسن ما قيل في التمثيل بالورد قول ابن أبي عيينة:
أرى عهدها كالورد ليس بدائم ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وعهدي بها كالآس حسنًا وزينةً له منظرٌ يبقى إذا ذهب الورد
ومن أحسن ما قيل في تشبيه الملول به قول ابن الجهم:
ما أخطأ الورد منك شيئًا حسنًا وطيبًا ولا ملالا
أقام حتى إذا أنسنا بقربه أسرع انتقالا
وما قيل في البنفسج:
بنفسج بذكي الروح مخصوص ما في زمانك إن وافاك تنغيص
كأنه شعلة الكبريت بارزةٌ أو خد أغيد بالتجميش مقروص
ولابن المعتز في النور المختلف:
وترى البهار معانقًا لبنفسجٍ وكأن ذلك زائرٌ ومزور
وكأن نرجسه عيون كحلت بالزعفران جفونها الكافور
تحيي النفوس بطيبها فكأنها طعم الرضاب يناله المهجور
[ ٤٣ ]