قال بعض الأئمة: أمدح بيتٍ للعرب قول زهيرٍ:
تراه إذا ما جئته متهللًا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وكان الأستاذ الطبري يقول: أمدح بيتٍ للبحتري قوله:
[ ٨٣ ]
دنوت تواضعًا وعلوت مجدًا فشأناك: انحدارٌ وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ويدنو الضوء منها والشعاع
وللوأواء:
من قاس جودك بالغمام فما أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحكٌ أبدًا وهو إذا جاد دامع العين
وقال المتنبي:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
وقوله أيضًا:
ليس التعجب من مواهب ماله بل من سلامتها إلى أوقاتها
عجبا له حفظ العنان بأنملٍ ما حفظها الأشياء من عاداتها
ذكر الأنام لنا، وكان قصيدةً كنت البديع الفرد من أبياتها
وقوله أيضًا:
الناس ما لم يروك أشباه والدهر لفظٌ وأنت معناه
والجود عينٌ وأنت ناظرها والبأس باعٌ وأنت يمناه
إن كان فيما نراه من كرمٍ فيك مزيدٌ، فزادك الله
وليس لقول كشاجم شبيهٌ:
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ من شر أعينهم بعيبٍ واحد
ومن أحسن ما قيل في الجود قول البحتري:
ملكٌ أطاعته العلى فأطاعها في ماله وعصى على عذاله
[ ٨٤ ]
وقوله أيضًا:
ولست أدري أي آياته أحسن إن عددها الشعر
أوجهه الواضح أم حلمه الر اجح أم نائله الغمر
وقوله أيضًا:
أفدي نداك قرب يومٍ جاءني عفوا يقود لي الغنى بزمامه
وإذا أردت لبست منك مواهبًا ينشرن نشر الورد من أكمامه
ومن غرر أبي بكرٍ العلاف قوله لعضد الدولة:
يا علم العالم في الجود مثلك جودًا غير موجود
بل استوى الجود على جرمه كما استوى الفلك على الجودي
قال بعضهم في الكرم:
وإذا الكريم نبت به أيامه لم ينتعش إلا بعون كريم
فأعلن على الخطب العظيم فإنه يرجى العظيم لدفع كل عظيم
ومن أحسن قول أبي فراسٍ الحمداني:
ويدعى كريمًا من يجود بماله ومن يبذل النفس الكريمة أكرم
وقال أبو تمامٍ في الشجاعة:
وإذا رأيت أبا يزيدٍ في ندى ووغى ومبدي غارة ومعيدا
يقري مرجيه مشاشة ماله وشي الأسنة ثغرةً ووريدا
أيقنت أن من السماح شجاعةً تدمي وأن من الشجاعة جودا
[ ٨٥ ]
وقال المتنبي:
وكل شجاعةٍ في المرء تغني ولا مثل الشجاعة في الحكيم
ومن أحسن ما قيل في مدح الشجاع قوله:
شجاعٌ كأن الحرب عاشقةٌ له إذا زارها فدته بالخيل والرجل
ومن أحسن ما قيل في مدح الحلم:
أرى الحلم في بعض المواطن ذلةً وفي بعضها عزًا يسود فاعله
وأحسن ما سمعت في ترك الحلم بعد الإعذار قول الحسن بن الضحاك:
أتاني منك ما ليس على مكروهه صبر
فأغضيت على عمدٍ وقد يغضي الفتى الحر
وأدبتك بالهجر فما أدبك الهجر
ولا ردك عما كا ن منك الصفح والزجر
فلما اضطرني المكرو ه واشتد بي الأمر
تناولتك من سري بما ليس له قدر
فحركت جناح الذل ل لما مسك الضر
إذا لم يصلح الخير ام رأً أصلحه الشر
وهو من قول بعضهم:
وبعض الحلم عند الجه ل للذلة إذعان
وفي الشر نجاةٌ حي ن لا ينجيك إحسان
ومن أحسن ما سمعت في التواضع قول بعضهم:
لعمرك ما الأشراف في كل بلدةٍ وإن عظموا للفضل إلا صنائع
أرى عظماء الناس للفضل خشعًا إذا ما بدا والفضل لله خاشع
تواضع لما زاده الله رفعةً فكل رفيعٍ عنده متواضع
قال القطامي في التأني:
[ ٨٦ ]
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
ثم قال بعد ذلك:
وربما فات قومًا بعض أمرهم من التأني وكان الحزم لو عجلوا
ومن أحسن ما قيل في الصدق قول محمودٍ:
الصدق حلوٌ وهو المر والصدق لا يتركه الحر
جوهرة الصدق لها جوهر يحسدها الياقوت والدر
وأحسن ما سمعت في الذنب والعفو قول بعضهم:
تبسطنا على الآثام لما رأينا العفو من ثمر الذنوب
وأحسن ما سمعت في القناعة قول ابن طباطبا العلوي:
كن بما أوتيته مقتنعًا تستدم عسر القنوع المكتفي
إن في نيل المنى وشك الردى وهلاك المرء في ذا السرف
وقول الآخر:
اقتنع بالقوت واجعل كل أيامك طاعه
ما أرى الدنيا تساوي عند حر غم ساعه
ولا مزيد على قول البرقعي في ذم القناعة:
رأت عز ما بي وفرط انكماشي وطول التململ فوق الفراش
وقالت أراك أخا همةٍ ستبلغها فترى ذا انكماش
فهلا فنعت ولم تغترب فقلت القناعة طبع المواشي
ومن أحسن ما قيل في الحياء:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فافعل ما تشاء
[ ٨٧ ]
فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
ومن أحسن ما قيل في الرفق قول بعضهم:
لم أر مثل الرفق في يمنه يستخرج العذراء من خدرها
من يستعن بالرفق في أمره يستخرج الحية من جحرها
ومن أحسن ما قيل في المداراة قول أبي سليمان:
ما دمت حيا فدار الناس كلهم فإنما أنت في دار المداراة
دنياك ثغرٌ فكن منها على حذرٍ فالثغر مثوى مخافات وآفات
ومن أحسن ما قيل في علو الهمة قول ابن طباطبا العلوي:
له همةٌ إن قست فرط علوها حسبت الثريا في قرار قليب
وأحسن منه قول الآخر:
له همم لا منتهى لكبارها وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحةٌ لو أن معشار جودها على البر كان البر أندى من البحر
من أحسن ما قيل في التقوى قول الشاعر:
أحسن بربك ظنا فإنه عند ظنك
واجعل من الله حصنًا فإنه خير حصنك
ومن أحسن ما قيل في كتمان السر قول أبي الفتح:
إذا خدمت الملوك فالبس من التوقي أعز ملبس
وكن إذا ما دخلت أعمى وكن إذا ما خرجت أخرس
ومن أحسن ما قيل في التوسط في الأمور:
عليك بأوساط الأمور فإنها نجاةٌ ولا تركب ذلولًا ولا صعبا
وأحسن ما قيل في الهيبة قول بعضهم:
يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
ومن أحسن ما قيل في مدح الوالي قول مسلم:
إنما كنا كأرضٍ ميتةٍ ليس للزائر فيها منتظر
[ ٨٨ ]
فحيينا بك إذ وليتنا وكذاك الأرض تحيا بالمطر
وقال علي بن جبلة:
دجلة تسقي وأبو غانمٍ يطعم من تسقي من الناس
الناس جسمٌ وإمام الهدى رأسٌ وأنت العين في الراس
ولعلي بن الجهم:
يا بني طاهر حللتم من النا س محل الأرواح في الأجسام
وإذا رابكم من الدهر ريبٌ عم ما خصكم جميع الأنام
ولابن الرومي:
كل الخلال التي فيكم محاسنكم تشابهت منكم الأخلاق والخلق
فأنتم شجر الأترج طاب معًا حملًا ونورًا وطاب العود والورق
أحسن ما سمعت في طبيب فصادٍ قول كشاجم:
الحمد لله قد وجدت أخا لست بذا الدهر مثله واجدا
أسكن في صحتي إليه فإن مرضت كان الطبيب والعائد
أحنى على كل من يعالجه من الشقيق الشقيق والوالد
يعلم من قبل أن تخاطبه ما أنت من كل علةٍ واجد
كأنما تحت ما يجس به فلب دليلٍ وناظرٍ رائد
كأنما طرفه لمبضعه متصلٌ في طريقه القاصد
كأنه من نصيحةٍ وتقىً لنفسه دون غيره قاصد
يبقي علينا دم الحياة ولا يخرج إلا المضر والفاسد
يخرج مقدار ما زيد على ال مزاج لا ناقصًا ولا زائد
[ ٨٩ ]
إن جمد الطبع حل منه وإن ذاب انحلالًا أعاده جامد
متسع الكم غير ضائره يسعد في لطف كفه الساعد
مبارك الشخص حين تبصره=توقن بالبرء أنه وارد وقال بعضهم في طبيبه:
إذا سقامٌ عراك نازله فاندب أبا جعفر لنازله
يعرف ما يشتكيه صاحبه كأنه حل في مفاصله
وأحسن ما سمعت في وصف مزينٍ قول الطبري:
لو لم تقع على فخذي ما كان قد وقع محسوسا
وقال مؤلف الكتاب في منجمٍ:
صديقٌ لنا عالمٌ بالنجوم يحدثنا بلسان الملك
ويكتم أسرار إخوانه ولكن ينم بسر الفلك