ومحمد بن عبد الملك الزيات حدثني عبد الرحمن بن أحمد قال: وجدت بخط محمد بن يزيد المبرد أن أبا تمام كتب إلى الحسن بن وهب يستسقيه نبيذًا:
جُعِلْتُ فِداكَ، عبد الله عِنديِ بعَقْبِ الهجْرِ منهُ والبِعَادِ
لَهُ لُمَةٌ منَ الكُتَّابِ بِيضٌ قضَوْا حقَّ الزيارَةِ والوِدادِ
وأحْسَبُ يَوْمَهمُ إنْ لمْ تَجُدْهُمْ مُصَادِفَ دعْوَةٍ منهُمْ جَمَادِ
فكَمْ نَوْءٍ من الصَّهْبَاءِ سَارٍ وآخَرَ منكَ بالمعْروُفِ غادِ
فَهَذَا يَسْتَهِلُّ عَلَى غَلِيلي وهَذَا يَسْتَهلُّ عَلَى تِلاَديِ
دعَوْتُهُمُ عَليكَ وكنتَ مِمنْ نُعَيِّنُهُ عَلَى العُقَدِ الجيِادِ
فوجه إليه بمائةٍ دنّ ومائة دينارٍ، وقال: لكل دنٍ دينار.
حدثني عبد الله بن المعتز قال: صار إلي محمد بن يزيد النحوي منصرفًا من عند القاضي إسماعيل، وكان يجيئني كثيرًا إذا انصرف من عنده، فأعلمني أن الحارثي الذي يقول فيه ابن الجهم:
لَمْ يَطْلعَا إِلاَّ لآبدَةٍ الحارثي وكوكب الذَّنَبِ
دخل إلى القاضي إسماعيل، فأنشده شعرًا لأبي تمام إلى الحسن بن وهب، يستسقيه نبيذًا لم أر أحسن منه في معناه، وأنه كره أن يستعيده أو يقول له اكتبه، لحال القاضي، فقلت له: أتحفظ منه شيئًا؟ قال: نعم، أوله:
جُعِلتً فِداك عبد الله عندي
قال: فأنشدته الأبيات وكنت أحفظها فكتبها بيده وهي هذه الأبيات التي ذكرناها.
حدثنا أحمد بن إسماعيل قال، حدثني عبيد الله بن عبد الله قال: استهدي أبو العيناء مطبوخًا، فوجهت إليه بشيءٍ منه، فاستقله وكتب إلي: أقول للأمير ما قاله أبو تمام لمحمد بن علي بن عيسى القمي، وقد استهداه شرابًا فأبطأ رسوله، ثم وجه إليه بشرابٍ أسود قليلٍ، فكتب إليه:
قد عرفنا دلائلَ المنْعِ أوْ مَا يُشْبِهُ المنْعَ باحتباسِ الرَّسُولِ
وافتَضَحْنا عند الزَّبِيبِ بما صَحَّ لديْهِ مِنْ قُبْحِ وَجْهِ الشَّمُولِ
وهْيَ نَزْرٌ لو أنًّها من دُمُوعِ الصَّبِّ لم تَشْفِ منه حَرَّ الغليلِ
قد كتَبْنَا لك الأمانَ فَما تسألُ منْهَا عُمْرَ الزمان الطويل
كم مغطى قد اختبرنا نداه وعرضنا كثيره بالقليل
قال: فأرضيت أبا العيناء بعد ذلك.
ومثل قوله:
وهْي نَزْرٌ لَوْ أنَّها من دمُوع الصَّب
ما حدثنيه أحمد بن إبراهيم الغنوي قال: طلب أبو مالك الرسعني وخاله ذو نواس البجلي الشاعر من صديقٍ له نبيذًا، فوجه إليه بأرطالٍ يسيرة فكتب إليه:
لو كانَ ما أهْدَيْتَهُ إِثْمِدًا لم يكْفِ إلاَّ مُقْلةً واحدَهْ
[ ٢٤ ]
بَرَّدْتَ وَاللهِ عَلَى أنَّها إليكَ مِنَّا حاجةٌ بارِدَهْ
والبحتري يقول في نحو هذا لأبي أيوب ابن أخت الوزير:
لكَ الخيرُ، ما مِقدَارُ عَفْوي وما جُهْدِي وآلُ حُمَيدٍ عنْدَ آخِرِهم عِنْدي؟
تَتابَعتِ الطَّاءَانِ طُوسٌ وَطَيِّئٌ فَقُلْ في خُراسانٍ، وإنْ شِئْتَ في نَجْدِ
أَتَوْنِي بِلاَ وَعْدٍ وإنْ لم تَجُدْ لهُمْ بِرَاحِهِمِ راحُوا جَمِيعًا عَلَى وَعْدِ
ولم أرَ خِلا كالنَّبيذِ إذَا جفَا جفَاكَ لهُ خُلاَّنُهُ وذَوُو الوُدِّ
وممَّا دَهَى الفِتْيَانَ أنَّهُمُ غَدَوْا بِآخِرِ شَعبانٍ على أوَّلِ الوَرْدِ
غدًا يَحْرُمُ الماءْ القَرَاحُ وَتَنْتَوِىوُجوهٌ مِنَ الَّلذَّاتِ مُشْجِيَةُ الفَقْدِ
أَعِنَّا عَلَى يَوْمٍ يُشَيِّعُ لَهْوَنَا إلَى ليلةٍ فيها لهُ أجَلٌ مُرْدِي
حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: وجه الحسن بن وهب إلى أبي تمام وهو بالموصل خلعةً فيها خَزُّ ووشْىٌ. فامتدحَه ووصفَ الخلعة في قصيدةٍ أولها:
أَبُو عَليٍ وَسْمِيُّ مُنْتَجِعِهْ فاحلُلْ بأَعَلى وَاديِهِ أوْ جَرَعِهْ
ثم وصف الخلعة فقال:
وقد أتاني الرسولُ بالملبسِ الفَخْمِ لصيفِ امرئٍ ومُرْتَبَعِهْ
لو أَنها جُلِّلَتْ أوَيْسًا لقدْ أسْرَعتِ الكِبْرياءُ فيِ وَرَعِهْ
رائقُ خَزٍّ أُجيدَ سَائِرُهُ سَكْبٍ تَدينُ الصَّبَا لمُدَّرِعِهْ
وَسِرُّ وَشيٍ كأنَّ شِعْريَ أحْيَانًا نَسِيبُ العُيُونِ مِنْ بِدَعِهْ
تَرَكْتَنِي سَامِيَ الجُفُونِ عَلَى أَزْلَمِ دَهْرٍ بِحْسْنِهَا جَذَعِهْ
يريد على دهر قديم وهو الأزلم لطوله وقدمه وجذعه، لأن يومه جديد، قال لقيط الإيادي:
يا قَوْم بَيْضَتُكُمْ لاَ تُفْجَعُنَّ بها إِني أخافُ عليها الأزلَمَ الجَذَعَا
وقد وصف خلعةً أخرى أحسن من هذا الوصف وجوده.
حدثني عون بن محمد قال، حدثني الحسين بن وداع، كاتب الحسن بن رجاء، قال: حضرت محمد بن الهيثم بالجبل وأبو تمام ينشده:
جَادَتْ مَعَاهِدَهُمْ عِهَادُ سَحَابةٍ ما عَهْدُها عندَ الدِّيارِ ذَميمُ
قال: فلما فرغ منها أمر له بألف دينار وخلع عليه خلعةً حسنةً، وأقمنا ذلك اليوم عنده، ومعنا أبو تمام، ثم انصرف وكتب إليه في غد ذلك اليوم:
قَدْ كسَانَا من كُسْوَةِ الصَّيْفِ خِرْقٌ مُكْتَسِ من مَكاَرِمٍ ومَسَاعِ
حُلَّةً سَابِرِيَّةً ورِداءً كَسَحَا القَيْضِ أو رِداءِ الشجاعِ
كالسَّرابِ الرَّقْراقِ في الحُسْنِ إلاّ أنّه ليس مِثلَه في الخِدَاعِ
قَصَبِيًّا تَسْتَرَجِفُ الريحُ مَتْنَيْ هِ بأمرٍ منَ الغُيُوبِ مُطاعِ
رَجَفَانًا كأنه الدهرَ منهُ كبِدُ الصّبِّ أوْحَشَا المُرْتاعِ
لاَزمًا ما يَليه تَحْسَبُهُ جُزْ ءًا من المثْنَيَيْنِ والأَضْلاعِ
يَطْرُدُ اليومَ ذا الهجير ولو شُبِّ هَ في حَرِّهِ بِيَوْمِ الوَدَاعِ
خِلْعَةٌ مِنْ أَغَرَّ أرْوَعَ رَحْبِ الصَّ دْرِ رَحْبِ الفُؤَادِ رَحْبِ الذِّرَاعِ
سَوْفَ أَكْسُوكَ ما يُعَفِّى عليْها مِنْ ثَنَاءٍ كالبُرْدِ بُرْدِ الصَّنَاعِ
حُسْنُ هاتيكَ في العُيونِ وَهَذَا حُسْنُهُ في القُلُوبِ والأَسْمَاعِ
فقال محمد بن الهيثم: من لا يعطي على هذا ملكه؟ والله لا بقى في داري ثوب إلا دفعته إلى أبي تمام؛ فأمر له بكل ثوبٍ يملكه في ذلك الوقت.
ونحو قول أبي تمام في البيت الأخير قول عبد الصمد:
بأيْمَنِ طائرٍ وأَسَرِّ فَالِ وأَعْلَى رُتْبَةٍ وأجلِّ حالِ
[ ٢٥ ]
شَرِبتَ الدُّهْنَ ثم خرجتَ منهُ خُروجَ المَشْرَفِيِّ من الصِّقالِ
تكشَّفَ عنكَ ما عايْنتَ منهُ كَماَ انكَشَفَ الغَمامُ عنِ الهِلالِ
لطُولِ سَلاَمةٍ ولطولِ عُمْرٍ بَلَغْتَ بكَ الطِّوَالَ من اللَّياليِ
وَقَدْ أَهْدَيتُ رَيْحَانًا طَرِيفًا بِهِ حاجَيْتُ مُسْتَمعِي مقَالِي
وما هو غَيْرُ حاءٍ بَعْدَ ياءٍ تُخُبِّرَ بَعْدَ ميمٍ قَبْلَ دالِ
ورَيْحَانُ النَّباتِ يعيشُ يَوْمًا وليسَ يمُوتُ رَيْحَان المقَالِ
ولَمْ تكُ مُؤْثِرًا رَيْحَانَ شَمِ عَلَى رَيْحَانِ أَسْمَاعِ الرِّجالِ
ولي أبياتٌ من قصيدة مدحت بها صديقًا لي، وصفت فيها الثياب، وما علمت أن أحدًا وصفها حتى قرأت شعر أبي تمام، وقد أحسن فيه غاية الإحسان. قلت:
أين الدَّبِيقُّيِ الذي مَدَّتْ بِهِ أيدي النَّسَاءِ فجاءَ طَوْعَ المِغْزَلِ
غَمَضَتْ حَواشِيهِ لدِقَّةِ نَسْجِه مِنْ غَيْرِ تَضْليعٍ وغَيْرِ تَسَلْسُلِ
والثَّوْبُ قَدْ يَحْكِي بِدِقّةِ نَسْجِهِ نَسْجَ العناكِبِ بالمكانِ المُهْمَلِ
شُغِلَتْ به هِمَمُ المُلوكِ وأُمْهِلَتْ صُنَّاعُه فيه ولم تُسْتَعْجَل
فَغَدَا عليكَ مُهَلْهَلًا يَخْفَى عَلَى رَاحِ التِّجارِ وليسَ بالمُسْتَرْسِلِ
عِدْلُ الهَوَاءِ إذا صَفَتْ أقْطَارهُ وَأَرَقَّهُ نَسْجُ الخَرِيفِ المُقْبِلِ
أوْ مِثْلُ نَسْجِ الشَّمْسِ تَحْسِرُ دُونَهُ وتَكِلُّ عَيْنُ النَّاظِرِ المُتَأَمِّلِ
فَكأَنَّهُ عَرَضٌ يَقُومُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَا جِسْمٍ لَهُ مُتَقَبِّل
ولا أعرف شيئًا قبل هذا في وصف ثوبٍ ولا غزلٍ إلا ما حدثني به محمد بن يزيد النحوي قال: أنشدني عمرو بن حفص المنقري لأبي حنش النميري في رجلٍ ولي الإمارة بعد أن كان حائكًا:
للهِ سَيْفُكَ ما أَكَلَّ وُقُوعَهُ أَيامَ أنتَ بضرْبِه لا تَقْتُلُ
إلاَّ خُيُوطًا أُبْرِمَتْ طَاقَاتُها تُثْنَى بأَطْرافِ البنَانِ وَتُفْتَلُ
بِيضًا تُباهِي العَنكبوتَ بِنَسْجِهَا كالَّرقِّ رَقَّقَ غَزْلُهنَّ المِغْزَلُ
ما زلتَ تضْربُ في الغُزُولِ بِحَدِّهِ حتَّى حَدِبْتَ وَزَالَ مِنكَ المَفْصِلُ
أيامَ قِدْرُكَ لاَ تَزَالُ نَضِيجَةً مِنْ أَرْدَاهَاجٍ ليسَ فيه فُلْفُلُ
حدثني محمد بن موسى قال: كان أبو تمام يعشق غلامًا خزريًا كان للحسن بن وهبٍ، وكان الحسن يتعشق غلامًا كان لأبي تمام روميًا، فرآه أبو تمام يومًا يعبث بغلامه فقال: والله لئن أعنقت إلى الروم لنركضن إلى الخزر. فقال ابن وهب: لو شئت لحكمتنا واحتكمت، فقال له أبو تمام: أنا أشبهك بداود وأشبهني بخصمه. فقال الحسن: لو كان هذا منظومًا خفناه، فأما منثورًا فهو عارضٌ لا حقيقة له، فقال أبو تمام:
أبا عَليٍ لِصَرْفِ الدَّهْرِ والغِيَرِ وللحوادِثِ والأيامِ والعِبَرِ
أذْكَرْتَني أَمْرَ دَاودٍ وكُنْتُ فَتىً مُصَرَّفَ القَلْبِ في الأَهْوَاءِ والذِّكَرِ
أَعِنْدَكَ الشَّمسُ لم يَحْظَ المَغِيبُ بها وأنتَ مُضْطَرِبُ الأحْشاءِ بالقَمرِ
إِنْ أنتَ لمْ تَتْرُكِ السَّيْرَ الَحثِيثَ إلىجَآذِرِ الرُّومِ أَعْنَقْنَا إلى الخَزَرِ
إنّ القَطْوبَ لَهُ مِنِّي مَقَرُّ هوىً يَحْلُّ مِنِّي مَحَلَّ السَّمعِ والبصَرِ
وَرُبَّ أَمْنَعَ منه صاحبًا وَحِمىً امْسَى وتِكَّتُه مِنِّي على خَطَرِ
جَرَّدْتُ فيهِ جِنُودَ العَزْمِ وانْكَشَفَتْ عنهُ غَيابتُها عَنْ نَيْكَةٍ هَدَرِ
سبحانَ مَنْ سَبَّحَتْهُ كلُّ جَارِحةٍ ما فيكَ مِنْ طَمَحَانِ الأيْرِ وَالنَّظَرِ
[ ٢٦ ]
أنتَ المقيمُ فما تَعْدُو رواحِلُهُ وأَيْرُهُ أبدًا منه على سَفَرِ
حدثني أحمد بن إسماعيل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال: قلت لأبي تمام: غلامك أطوع للحسن من غلام الحسن لك، قال: لأن غلامي يجد عنده مالا يجد غلامه عندي، أنا أعطي ذاك قيلًا وقالًا، وهو يعطي غلامي مالًا. وقد روى هذا الخبر على خلاف هذا.
حدثني أبو جعفر المهلبي قال، حدثني ابن أبي فننٍ قال: أنشد أبو تمامٍ محمد بن البعيث مدحًا له، وعند محمدٍ غلام خزري، ومع أبي تمام غلام رومي، فجعل محمد يلمحه، فقال أبو تمامٍ هذا الشعر الرائي، والأول أصح.
حدثني أبو الحسن الأنصاري قال، حدثني أبي وحدثني أبو الفضل الكاتب المعروف بفنجاخ قال: كان الحسن بن وهب يكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات وهو يزر للواثق، وكان ابن الزيات قد وقف على ما بين الحسن بن وهبٍ وأبي تمامٍ في غلاميهما، فتقدم إلى بعض ولده، وكانوا يجلسون عند الحسن بن وهب، أن يعلموه خبرهما وما كان منهما، قالا: فعزم غلام أبي تمام على الحجامة، فكتب إلى الحسن يعلمه بذلك ويسأله التوجيه إليه بنبيذٍ، فوجه إليه بمائة دنٍ ومائة دينارٍ وخلعةٍ وبخورٍ، وكتب:
لَيْتَ شِعْري يا أمْلَحَ النَّاسِ عِنْديِ هلْ تَدَاوَيْتَ بالحِجَامَةِ بعْدِي؟
دَفَعَ اللهُ عنْكَ ليِ كُلَّ سُوءٍ بَاكرٍ رائحٍ وإنْ خُنْتَ عَهدِي
قدْ كتَمْتُ الهوى بمبلغِ جَهْدِي فَبَدا مِنه غَيْرُ ما كنتُ أُبْدِي
وَخَلعْتُ العِذارَ فلْيعْلَمِ النَّا سُ بأنِّي إِيَّاكَ أُصْفِي بُودِّي
وليَقُولٌوا بما أَحَبُّوا وإن كُنْ تَ وَصُولًا ولم تَرُعْنِي بصَدِّ
منْ عَذِيرِي مِنْ مُقْلَتَيْكَ ومِنْ إِشْ رَاقِ ثَغْرٍ من تَحْتِ حُمْرَةِ خَدِّ؟
ووضع الرقعة تحت مصلاهُ، وبلغ محمد بن عبد الملك خبر الرقعة، فوجه إلى الحسن فشغله بشيءٍ من أمره، ثم أمر من جاءه بالرقعة، فلما قرأها كتب فيها على لسان أبي تمام:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ لَيْتَ شِعْرِكَ هذَا أَبِهَزْلٍ تَقُولُهُ أمْ بِجِدِّ؟
فَلَئنْ كُنتَ في المَقَالِ مُحِقًا يا ابْنَ وهْبٍ لَقَدْ تَطَرَّفْتَ بَعْدِي
وتَشبَّهْتَ بِي وكُنْتُ أرَى أَنِّ ي أنا العاشقُ المُتيَّمُ وَحْدِي
أَتْرُكُ القَصْدَ في الأُمُورِ ولَوْلاَ عَثَرَاتُ الهَوَى لأَبْصَرْتُ قَصْدِي
لاَ أُحِبُّ الذي يَلومُ وإنْ كَا نَ حَرِيصًا عَلَى هَلاَكِي وجهَدْيِ
وأحِبُّ الأخَ المُشَارِكَ في الحُبِّ وإنْ لَمْ يكُنْ به مِثلُ وَجدْيِ
كنَدِيمَي أبي عَلَىٍ وَحَاشَا لَندِيمي من مِثْلِ شِقوةِ جَدِّي
إنَّ مَوْلايَ عبدُ غيري ولَوْلاَ شُؤْمُ جَدِّي لكانَ مَوْلاَيَ عَبْدِي
سَيّدي سَيّدي ومَوْلايَ مَنْ أَوْ رَثَنِي ذِلَّةً وَأَضْرَعَ خَدِّي
ثم قال: ضعوا الرقعة مكانها، فلما قرأها الحسن قال: إنا لله، افتضحنا والله عند الوزير! وأعلم أبا تمامٍ بما كان، ووجه إليه بالرقعة، قلقيا محمد بن عبد الملك وقالا له: إنما جعلنا هذين سببًا لتكاتبنا بالأشعار، فقال: ومن يظن بكما غير هذ؟ فكان قوله أشد عليهما.
حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: كنت عند دعبل بن علي أنا والعمروي سنة خمسٍ وثلاثين بعد قدومه من الشام، فذكرنا أبا تمامٍ، فجعل يثلبه ويزعم أنه يسرق الشعر، ثم قال لغلامه: يا نفنف، هات تلك المخلاة، فجاء بمخلاةٍ فيها دفاتر، فجعل يمرها على يده حتى أخرج منها دفترًا، فقال: اقرءوا هذا، فنظرنا فإذا في الدفتر: قال مكنف أبو سلمى من ولد زهير بن أبي سلمى، وكان هجا ذفافة العبسي بأبياتٍ منها:
إن الضُّرَاطَ به تَصاعَد جَدُّكم فَتعاظموا ضَرِطًا بَِني القَعْقَاعِ
قال: ثم رثاه بعد ذلك فقال:
أَبَعْدَ أبي العباسِ يُسْتَعْذَبُ الدَّهرُ ومَا بعْدَهُ للدَّهرِ حُسْنٌ ولا عُذْرُ
[ ٢٧ ]
ألاَ أَيُّهَا النَّاعِي ذُفَافَةَ وَالنَّدَىتَعِسْتَ وشُلَّتْ مِنْ أَنامِلكَ العَشْرُ
أَتَنْعَى لنا منْ قَيْسِ عَيْلاَنَ صَخْرةً تَفَلَّقَ عنها مِن جبالِ العِدَى الصَّخرُ
إذا ما أَبو العبَّاسِ خَلَّى مَكانَهُ فلا حَمَلَتْ أُنثَى ولا نالهَا طُهْرُ
ولا أَمطَرَتْ أَرْضًا سَماءٌ ولا جَرَتْ نُجومٌ ولا لَذَّتْ لِشَارِبِها الخَمْرُ
كأَنَّ بني القَعْقَاعِ يومَ وَفاتِه نُجُومُ سَماءٍ خَرَّ مِن بَينَهَا البَدْرُ
تُوُفِّيَتِ الآمَالُ بعدَ وَفاتِهِ وَأَصْبحَ في شُغْلٍ عَنِ السَّفَرِ السَّفْرُ
ثم قال: سرق أبو تمام أكثر هذه القصيدة، فأدخلها في شعره. وحدثني محمد بن موسى بهذا الحديث مرةً أخرى ثم قال: فحدثت الحسن بن وهبٍ بذلك، فقال لي: أما قصيدة مكنفٍ هذه فأنا أعرفها، وشعر هذا الرجل عندي، وقد كان أبو تمام ينشدنيه، وما في قصيدته شيءٌ مما في قصيدة أبي تمام، ولكن دعبلًا خلط القصيدتين، إذ كانتا في وزنٍ واحدٍ، وكانتا مرثيتين، ليكذب على أبي تمام.
حدثنا عبد الله بن الحسين قال، حدثني وهب بن سعيد قال: جاء دعبل إلى أبي علي الحسن بن وهبٍ في حاجةٍ بعد ما مات أبو تمام، فقال له رجل: يا أبا علي، أنت الذي تطعن على من يقول:
شَهِدْتُ لقَدْ أَقَوَتْ مَغَانيكُمُ بَعْدِي وَمَحَّتْ كما مَحَّتْ وشائِعُ مِن بُرْدِ
وَأَنْجَدْتُمُ مِنْ بَعْدِ إِتْهَامِ دَارِكمفيا دَمْعُ أَنْجِدْني عَلَى سَاكِني نَجْدِ
فصاح دعبل: أحسن والله، وجعل يردد:
فيا دَمْعُ أنجِدْني على ساكني نَجْدِ
ثم قال: ﵀، لو ترك لي شيئًا من شعره لقلت إنه أشعر الناس.
ولهذا الشعر خبر: حدثني عبد الله بن المعتز قال، جاءني محمد بن يزيد النحوي فاحتبسته، فأقام عندي، فجرى ذكر أبي تمام، فلم يوفه حقه؛ وكان في المجلس رجل من الكتاب نعماني، ما رأيت أحدًا أحفظ لشعر أبي تمام منه، فقال له: يا أبا العباس، ضع في نفسك من شئت من الشعراء، ثم انظر، أيحسن أن يقول مثل ما قاله أبو تمام لأبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي يعتذر إليه:
شَهِدْتُ لقَدْ أَقَوَتْ مَغَانيكُمُ بَعْدِي وَمَحَّتْ كما مَحَّتْ وشائِعُ مِن بُرْدِ
وَأَنْجَدْتُمُ مِنْ بَعْدِ إِتْهَامِ دَارِكمفيا دَمْعُ أَنْجِدْني عَلَى سَاكِني نَجْدِ
ثم مر فيها حتى بلغ إلى قوله في الاعتذار:
أَتانِي مَعَ الرُّكْبانِ ظَنٌّ ظَنَنْتُهُ لَفَفْتُ لَهْ رَأسي حَيَاءً مِنَ المَجْدِ
لقَدْ نَكَبَ الغَدْرُ الوفَاءَ بساحَتيِ إِذَنْ، وسَرَحْتُ الذَّمَّ في مَسْرَحِ الحمدِ
جَحَدْتُ إذَنْ كم مِن يدٍ لَكَ شَاكلتْيدَ القُرْبِ أَعْدَتْ مُستَهَامًا عَلَى البُعْدِ
وَمِن زَمَنٍ أَلبسْتَنيهِ كأَنهُ إذَا ذُكِرَتْ أَيامُهُ زَمَنُ الوَرْدِ
وكيفَ وَمَا أَخْلَلتُ بعدَك بالحِجَي وأنتَ فلم تُخْلِلْ بمَكْرمُةٍ بَعْدِي
أُسَرْبِلُ هُجْرَ القَوْلِ مَنْ لو هَجَوْتُهُ إِذَنْ لهجانِي عنهُ معروُفُه عِنْدي؟
كَريمٌ متى أَمدحْهُ أَمدَحْهُ وَالْوَرَى معي، ومتَى مَا لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدِي
فإِنْ يكُ جُرْمٌ عَنَّ أَوْ تَكُ هَفْوَةٌ عَلَى خَطإٍ مِنِّي فَعُذْرِي عَلَى عَمْدِ
فقال أبو العباس محمد ين يزيد: ما سمعت أحسن من هذا قط، ما يهضم هذا الرجل حقه إلا أحد رجلين: إما جاهل بعلم الشعر ومعرفة الكلام، وإما عالم لم يتبحر شعره ولم يسمعه. قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: وما مات إلا وهو منتقل عن جميع ما كان يقوله، مقر بفضل أبي تمامٍ وإحسانه.
أما قوله:
أَأُلبِسُ هُجْرَ القَوْلِ مَنْ لو هَجَوْتُهُ إِذَنْ لَهَجَانِي عَنْهُ معروفُه عِندي
فهو منقول من شعرٍ حسنٍ لا يفضله شعر.
[ ٢٨ ]
حدثني محمد بن زكريا الغلابي قال، حدثني عبيد الله بن الضحاك عن الهيثم بن عديٍ عن عوانة قال: أتى الحجاج بجماعةٍ من الخوارج من أصحاب قطريٍ، وفيهم رجلٌ كان له صديقًا، فأمر بقتلهم، وعفا عن ذلك الرجل ووصله وخلى سبيله، فمضى إلى قطري فقال له قطري: عاود قتال عدو الله الحجاج، فقال: هيهات! غل يدًا مطلقها، واسترق رقبةً معتقها، ثم قال:
أَأُقَاتِلُ الحجَّاحَ عَنْ سُلْطَانِهِ بِيَدٍ تُقِرُّ بأَنَّهَا مَوْلاَتُهُ
إِنِّي إِذَنْ لأَخُو الدَّناءَةِ والذي عَفَّتْ عَلَى إحْسَانِهِ جَهَلاَته
مَاذَا أَقُولُ إذَا وَقفْتُ إزَاءَهُ في الصَّفِّ واحْتَجّتْ لَهُ فَعَلاَتُهُ؟
أَأَقُولُ جَارَ عَلَىَّ؟ لا، إِنِّي إِذَنْ لأَحَقُّ مَنْ جَارَتْ عَليْهِ وُلاَتُهُ
ويُحَدِّثُ الأَقْوامُ أَنّ صَنِيعَةً غُرِسَتْ لَدَىَّ فَحَنْظَلَتْ نَخَلاَتُهُ؟
هَذَا وَما طِبِّي بجُبْنٍ إِنَّني فيكُمْ لِمطْرَقُ مَشْهَدٍ وَعَلاَتُهُ
وجدت بخط أحمد بن إسماعيل بن الخصيب أن محمد بن عبد الملك أوصل إلى الواثق قصيدةً لأبي تمامٍ يمدحه بها أولها:
وَأَبِى المَنازِلِ إِنَّهَا لَشُجُونُ وَعَلَى الْعُجُومَةِ إِنّهَا لَتُبِينُ
فقرئت عليه، فلما بلغ إلى قوله:
جَاءَتْكَ من نظْمِ الِّلسانِ قِلاَدةٌ سِمْطاَنِ فيهَا الُّلؤلُؤ المكْنُونُ
حُذَيِتْ حِذَاءَ الحَضْرَمِيَّةِ أُرْهِفَتْ وأَجابَها التَّخْصِيرُ وَالتّلْسِينُ
إنْسِيَّةٌ وَحْشِيَّة كَثُرَتْ بَها حَرَكاتُ أَهْلِ الأرضِ وَهْيَ سَكون
أمَّا المعانيِ فهْيَ أَبْكارٌ إِذَا نُصَّتْ وَلَكنَّ الْقَوَافِيَ عُونُ
أَحْذَاكَهَا صَنَعُ الضّمِيرِ يَمُدُّهُ جَفْرٌ إذَا نَضَبَ الكلاَمُ مَعِينُ
وَيُسِئُ بَالإحسَانِ ظَنًّا لا كَمَنْ هُوَ بِابْنِهِ وبِشِعْرِهِ مَفْتُون
يَرْمِى بهِمِتَّهِ إلَيْكَ وَهَمِّهِ أَمَلٌ لهُ أَبدًا عَلَيْكَ حَرُون
وَلَعلَّ مَا يَرْجُوهُ مِمَّا لمْ يَكنْ بِكَ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا سَيَكونُ
فقال: ادفع إليه مائتي دينارٍ، فقال محمد: إنه قوى الأمل واسع الشكر، قال: فأضعفها له. وقد روينا من غير هذه الجهة أنه أمر له بمائة ألف درهمٍ.
وأنشدني محمد بن داود لأبي تمامٍ في آل وهبٍ ما أستحسنه:
كلُّ شِعْبٍ كنتُمْ به آلَ وَهْبٍ فَهْوَ شِعْبي وَشِعْبُ كلِّ أَدِيبِ
إِنَّ قَلْبي لكُمْ لكَاْلكَبِدِ الحَرَّ ى وقَلْبي لِغَيْركمُ كالقُلوبِ
ولو كان هذا البيت الثاني في مدح آل الرسول - ﵈ - والتفجع لما نالهم يوم كربلاء وبعده، لكان فيه أشعر الناس.
وقد روى مسعود بن عيسى قال، حدثني صالح غلام أبي تمام، المنشد كان لشعر أبي تمام، وكان حسن الوجه، قال: دخل أبو تمامٍ على الحسن بن وهبٍ، وأنا معه، وعلى رأسه جاريةٌ ظريفةٌ فأومأ إليها الحسن يغريها بأبي تمامٍ، فقالت:
يَا ابْنَ أَوْسٍ أَشْبَهْتَ في الفِسْقِ أَوْسَاوَاتَّخَذْتَ الغُلاَمَ إِلْفًا وَعِرْسَا
فقال أبو تمام:
أَبَرَقْتِ ليِ إذ لَيْسَ لِي بَرْقُ فتَزَحْزَحِي مَا عِنْدَنَا عِشق
مَا كُنْتُ أَفْسُقُ وَالشَّبَابُ أَخِي أَفَحِينَ شِبْتُ يَجْوزُ لِي الفِسْقُ؟
لِي هِمَّةٌ عَنْ ذَاكَ تَرْدَعْنِي وَمُرَكَّبٌ مَا خَانَهُ عِرْقُ