" بسم الله الرحمن الرحيم " حدثنا محمد بن يزيد النحوي، وكان قد عمل كتبًا لطافًا، فكنت أنتخب منها وأقرأ عليه، فقرأت عليه من كتابٍِ سماه كتاب - الفطنِ والمحَنِ - قال: خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد بن مزيد، وإلى أرمينية، فامتدحه فأمر له بعشرة آلاف درهم ونفقةٍ لسفره، وأمره ألا يقيم إن كان عازمًا على الخروج. فودعه ومضت أيام، فركب خالد ليتصيد، فرآه تحت شجرة وقدامه زكرة فيها نبيذ وغلام بيده طنبور، فقال: حبيب؟ قال: خادمك وعبدك، قال: ما فعل المال؟ فقال:
عَلَّمَني جُودُكَ السَّماحَ فَما أَبْ قَيْتُ شَيْئًا لَدَىَّ مِنْ صِلَتِكْ
مَا مَرَّ شَهْرٌ حَتىَّ سمَحْتُ بهِ كأنّ ليِ قُدْرَةً كَمَقْدُرَتكْ
تُنْقِقُ في اليَوْمِ بِالْهِبَاتِ وفي السَّاعَةِ مَا تَجْتَبِيِه في سَنَتِكْ
فلستُ أَدْرِي مِنْ أَينَ تُنفِقُ لَوْ لاَ أَنَّ رَبِّى يَمُدُّ في هِبَتِكْ
فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى فأخذها.
وكان قوله: - علمني جودكَ السماحَ - من قول ابن الخياط المديني، وقد امتدح المهدي فأمر له بجائزةٍ ففرقها في دار المهدي وقال:
لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أبْتغِي الغِنَىوَلَمْ أَدْرِ أَنّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدي
فَلاَ أَنَا مِنْهُ ما أَفادَ ذَوُو الغِنَىأَفَدْتُ، وَأعْدَانِي فَبَدَّدْتُ ما عِنْدِي
فبلغ المهدي خبره، فأضعف جائزته، وأمر بحملها إلى بيته.
حدثني عبد الله بن إبراهيم المسمعي القيسي قال، حدثني أبي قال، حدثني أبو توبة الشيباني - ولم أر أفصح منه - قال: حضرت عشيرنا وأميرنا خالد بن يزيد، وعنده رجل كثير الفكاهة حسن الحديث، فأعجبني جدًا، فقال الأمير أبو يزيد: أما سمعت شعره فينا؟ ما رأيت أحسن بيانًا منه، ولا أفصح لسانا!
مَا لِكَثيبِ الحِمَى إلى عَقِدِهْ مَا بالُ جَرْعَائِهِ إلى جَرَدِهْ
إلى أن قال:
نِعْمَ لِوَاءُ الخَميسِ أُبْتَ بهِ يَوْمَ خَمِيسٍ عَالِي الضُحَى أَفِدِهْ
خِلْت عُقابًا بَيْضَاءَ فيِ حُجُرا تِ المُلْكِ طارَتْ منه وفي سُدَدِهْ
فَشَاغَب الجوَّ وَهْوَ مَسْكَنُهُ وقاتَلَ الرِّيحَ وَهْيَ مِنْ مَدَدِهْ
وَمرَّ تَهْفُو ذُؤابَتَاهُ عَلَى أَسْمَرِ مَتْنٍ يَوْمَ الوَغَى جَسِدِهْ
[ ١٩ ]
تَخْفِقُ أَثْنَاؤُهُ عَلَى مَلِكٍ يَرَى طِرَادَ الأبْطَالِ من طَرَدِهْ
وهَلْ يُسَاميِكَ في العُلاَ مَلِكٌ صَدْرُكَ أَوْلَى بالرُّحْبِ من بَلَدِهْ؟
أَخْلاَقُكَ الغُرُّ دُونَ رَهْطِكَ أَثْ رَى مِنهُ في رَهْطِهِ وَفيِ عَدَدِهْ
فما سمعت مثل قوله، وطربت فرحا أن يكون من ربيعة، فقلت: ممن الرجل؟ فقال: من طيئ، وولائي لهذا الأمير، فقلت: يا أسفي ألا تكون ربعيًا أو نزاريًا، ثم أمر له الأمير أبو يزيد بعشرة آلاف درهم بيضًا، ووالله ما كافأه. وفي هذه القصيدة ذكر شفاعة خالدٍ إلى ابن أبي دؤاد فيما تقدم ذكره، فقال:
باللهِ أَنْسَى دِفَاعَهُ الزُّورَ مِنْ عَوْرَاءَ ذي نَيْرَبٍ ومِنْ فَنَدِهْ
وَلاَ تناسَى أحيَاءُ ذيِ يَمَنٍ مَا كانَ مِنْ نصْرِهِ ومِنْ حشَدِهْ
آثَرَنِي إذْ جَعَلْتُهُ سَنَدًا كلُّ امْرِئٍ لاَجئٌ إلى سَنَدِهْ
حدثني أبو بكر القنطري قال، حدثني محمد بن يزيد المبرد قال: كان خالد بن يزيد الشيباني بقية الشرف والكرم، وأوسع الناس صدرًا في إعطاء الشعراء. دفع إلى عمارة بن عقيل ألف دينار لقوله فيه:
تَأْبَى خلائقُ خالدٍ وَفَعَالُهُ إلا تَجنُّبَ كلِّ أَمْرٍ عائبِ
وإذا حَضَرْنَأ الْبَابَ عِنْدَ غَدَائِه أَذِنَ الغَدَاءُ لَنَا برَعْمِ الحاجِبِ
قال: وأخذ أبو تمام بمدحه له أضعاف هذا.
وجدت بخط ابن أبي سعيد، حدثني إسماعيل بن مهاجر قال، حدثني وكيل للحسن بن سهل يعرف بالبلخي قال: استنشد خال بن يزيد أبا تمام قصيدته في الأفشين التي ذكر فيها المعتصم وأولها:
غَدَا المُلْكُ مَعْمُورَ الحَرَا وَالمْنَازِلِمُنَوَّرَ وَحْفِ الَّروْضِ عَذْبَ المَنَاهِلِ
فلما بلغ إلى قوله:
تَسَربَلَ سِرْبالًا مِنَ الصَّبْرَ وارْتَدَي عَليهِ بِعَضْبٍ في الكَريهِة قَاصِلِ
وَقَدْ ظُلِّلَتْ عِقْبانُ أَعْلاَمِهِ ضُحىًبِعِقْبَانِ طَيْرٍ في الدِّمَاءِ نَوَاهِلِ
أَقَامَتْ مَعَ الرَّاياتِ حَتَّى كأَنَّهَا مِنَ الجَيشِ إلاّ أَنَّهَا لَمْ تُقَاتِلِ
قال له خالد: كم أخذت بهذه القصيدة؟ قال: ما لم يرو الغلة، ولم يسد الخلة. قال: فإني أثيبك عنها، قال: ولم ذاك، وأنا أبلغ الأمل بمدحك؟ قال: لأني آليت لا أسمع شعرًا حسنًا مدح به رجل فقصر عن الحق فيه إلا نبت عنه. قال: فإن كان شعرًا قبيحًا؟ قال: أنظر فإن كان أخذ شيئًا استرجعته منه!.
وقد أحسن أبو تمام في هذا المعنى وزاد على الناس بقوله: - إلا أنها لم تقاتل -، وقد قال مسلم قبله:
قد عَوَّدَ الطيَر عاداتٍ وَثقْنَ بِها فهُنَّ يَتْبعْنَهُ في كلِّ مُرْتَحَلِ
وأحسن من هذا قول أبي نواس في العباس بن عبيد الله:
وَإِذَا مَجَّ القَنَا عَلَقًا وتَرَاءَى الموتُ في صُوَرِهُ
رَاحَ في ثنيْ مُفَاضَتِهِ أَسَدٌ يَدْمَى شَبَا ظُفُرِهْ
تَتآيَا الطَّيرُ غَدْوَتَهُ ثِقَةً بِالشِّبْعِ مِنْ جَزَرِهْ
ولا أعلم أحدًا قال في هذا المعنى أحسن مما قاله النابغة، وهو أولى بالمعنى، وإن كان قد سبق إليه، لأنه جاء به أحسن. وقد ذكرنا شريطة السرقات قبل هذا، قال النابغة:
إِذَا ما غَدَوْا بالجيشِ حَلَّق فوقَهمُ عَصَائِبُ طَيْرٍ تَهْتدِي بَعصائِبِ
جَوَانحَ قد أَيْقَنَّ أَنَّ قَبيلَهُ إِذا مَا الْتَقَى الْجَمْعانِ أوَّلُ غالبِ
وهو من قول الأفوه الأودي في قصيدةٍ أولها:
يا بَنيِ هَاجَرَ سَاءَتْ خُطَّةُ أَنْ تَرُومُوا النِّصْفَ مِنَّا وَمَحَارْ
فقال فيها:
فَتَرى الطَّيْرَ على آثارِنَا رَأىَ عَيْنٍ ثِقَةً أَنْ سَتُمارُ
الحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى أله وصحبه وسلم تسليمًا.