حدثني أحمد بن إبراهيم قال، حدثني بدر غلام مخلد قال: دخل أبو تمام الحمام ومخلد فيه، وإذا عليه شعر كثير، كأنه قد ألبس مسحًا، فقال له أبو تمام: ما هذا؟! قال: حذرًا من لسانك أن ينسبني إلى البغاء.
حدثني أبو سليمان النابلسي قال، قيل لأبي تمام: قد هجاك مخلد، فلو هجوته؟ قال: الهجاء يرفع منه، قيل: أليس هو شاعرًا؟ قال: لو كان شاعرًا ما كان من الموصل. يعني أن الموصل لم تخرج شاعرًا. قال أبو سليمان: وأصل مخلد من الرحبة ثم أقام بالموصل.
حدثني أحمد بن محمد البصري، غلام خالدٍ الحذاء الشاعر وراويته قال، حدثني الخليع الشاعر القرشي قال: كان أول شعر هجا به مخلد أبا تمام قوله:
أنت عندي عربيُّ الأَصْلِ ما فيكَ كلامُ
عربيُّ عربيُّ أَجَإِيٌّ ما تُرامُ
شَعْر فَخْذَيْكَ وساقَيْكَ خُزَامَي وثُمَامُ
وضلُوعُ الشِّلوْ مِنْ صَدْ رِكَ نبعٌ وبَشَامُ
وَقَذَى عينيْكَ صَمْغٌ وَنَواصِيكَ ثَغَامُ
لو تحركْتَ كذا لانْ جَفَلَتْ منكَ نَعامُ
وظِبَاءٌ مُخْصِبَاتٌ ويَرَابِيعُ عِظَامُ
أنَا ما ذنْبَي إِنْ خَا لفَنَي فيكَ الأَنَامُ؟
وَأَتَتْ مِنكَ سَجايَا نَبَطِيَّاتٌ لِئَامُ
وَقَفًا يَحْلِفُ أَنْ مَا عَرَّقَتْ فِيكَ الكِرَامُ
ثُمَّ قَالُوا: جَاسِمِيٌّ مِنْ بَنِي الأَنْبَاطِ خَامُ
كَذَبُوا، مَا أنْتَ إلاَّ عَرَبيٌّ مَا تُضَامُ
بَيْتُهُ مَا بَينَ سَلْمَى وَحَوَالَيْهِ سِلاَمُ
وَلَهُ مِنْ إِرْثِ آبا ءٍ قِسِىٌّ وَسِهَامُ
وَنَخِيلٌ بَاسِقَاتٌ قَدْ دَنَا مِنْهَا صِرَامُ
أَنْتَ عِنْدِي عَرَبيٌّ عَربيٌّ وَالسَّلاَمُ
وأنشدني أبو جعفر مولى آل سليمان بن علي لمخلدٍ في أبي تمام:
انْظُرْ إلَيْهِ وَإلَى خُبْثِهِ كيفَ تَطَايا وَهْوَ مَنْشُورُ
ثُمَّ عَلَى طَاقٍ شَخِيتِ الْقُوَى نِسْبَتُهُ وَالُّلؤْمُ مَضْفُورُ
[ ٣٤ ]
وَيْلكَ، مَنْ دَلاَّكَ في نِسْبَةٍ قَلْبُكَ مِنْهَا الدَّهْرَ مَذْعُورُ
لَوْ ذُكِرَتْ طَاءٌ عَلَى فَرْسَخٍ أَظْلَمَ في نَاظرِكَ النُّورُ
وأنشدني أبو سليمان الضرير لمخلدٍ في أبي تمام:
لَوِ امْتَخَطْتَ وَبْرَةً وَضَبَّا وَامْتَشَّتْ اليَرْبُوعَ نِيًّا صُلْبَا
وامْتَصَّتَ الحَنْظَلَ غَضًّا رَطْباَ وَلَمْ تَذُقْ مَاءً نُقَاخًا عَذْبَا
وَبُلْتَ بَوْلَ جَمَلٍ قَدْ هَبَّا ولَمْ تَرُمْ إلاَّ الْجِمَالَ كَسْبَا
ثمَّ قَعَدْتَ الْقُرْفُصَا مُنْكَبَّا تَحْكي عرَابيَّ فَلاةٍ قَلْبَا
إِنْ دَخَلَ الإيوَانَ صَاحَ الكرْبَا حَتَّى يَحُلَّ جَعْجَعَانًا رَحْبَا
ولَوْ نَكَحْتَ حِمْيَرًا وكَلْبَا وقَيْسَ عَيْلاَنَ الْكِرَامَ الْغُلْبَا
بِالشَّامِ حَيْثُ زَجْرُهَأ يُلبَّي لاَ حَيْثُ أَضْحَى النَّسَبُ الْمُرَبَّي
يُصْبِحُ عَبْدًا وَيَرُوحُ رَبَّا ثُمَّ اتَّخَذْتَ اللاَّتَ فيِنَا رَبَّا
وَلَمْ تَسَمِّ القُطْنَ إلاّ عُطْبَا وَقُلتَ لِلْعَيْرِ الْبَلِيدِ حَوْبَا
مَا كُنْتَ إلاّ نَبَطِيًا قَلْبَا لَوْ نَقَرَ الصَّخْرَ أَفَاضَ غَرْبَا
حتَّى يُسِيحَ لِلنَّبَاتِ شِرْبَا ويُنْبتَ الْحَبَّ بهِ وَالْقَضْبَا
هيَّجْتَ مِنيِّ شَاعِرًا أَرَبَّا يُدِيُر في حُسَامًا عَضْبَا
مُهنَّدًا مَدَّاحَةُ مِسَبَّا يَلحَبُ أَعرَاضَ اللِّئَامِ لَحْبَا
وهذا الفن قد سبق مخلد إليه: قال أبو نواسٍ في أبي خالدٍ الفارسي، وخرج إلى البدو شهرين فصار نميريا، وعاد فأنكر الميازيب، فقال: ما هذه الخراطيم التي لا أعرفها؟ فقال فيه أبو نواس:
يَا رَاكبًِا أَقْبَلَ مِنْ ثَهْمَدٍ كَيْفَ تَرَكْتَ الإبلَ وَالشِّاءَا؟
وَكيْفَ خَلَّفْتَ لِوَى قَعْنَبٍ حَيْثُ تَرَى التَّنُّومَ وَالآءَا
جَاءَ مِنَ البَدْوِ أَبُو خَالدٍ وَلَمْ يَزَلْ بِالمصْرِ تَنَّاءَ
يَعْرفُ لِلنَّارِ أَبُو خَالِدٍ سِوَى اسْمِهَا في النَّاسِ أَسْمَاءَ
إذَا دَعَا الصَّاحبَ يَهْيَا بِهِ وَيُتْبِعُ الْيَهْيَاءَ يَهْيَاءَ
لَوْ كُنْتَ مِنْ فَاكِهةٍ تُشْتَهَى لِطيبِهَا كُنت الغُبَيْرَاءَ
لاَ تَعْبُرُ الحَلْقَ إلىَ دَاخِلٍ حَتَّى تَحَسَّى فَوْقَها المَاءَ
وقد سبق أبو نواس أيضًا إلى هذا: حدثني مسبح بن حاتم العكلي قال، حدثني يعقوب بن جعفر قال: أمر إسماعيل بن علي لحماد عجردٍ بخمسة آلاف درهمٍ، فمطله بها كاتبه محمد بن نوح، فقال فيه حماد:
قَالَ ابنُ نُوحٍ لي وَقَدْ أظْهَرَ بَعْضَ الْغَضَبِ
أَنْتَ الذي نَفَيْتَني في الشِّعْرِ عَنْ نُوحٍ أبي؟
فَقْلْتُ: لاَ، لاَ تَرْمِنِي مِنْكَ بِمَحْضِ الكَذِبِ
وَيْحَكَ لَمْ أفْعَلْ وإنْ كُنْتَ سَقِيمَ الحَسَبِ
لَكنَّنيِ كُنْتُ فَتىً عَلاَّمَةً بِالنَّسَبِ
فَقْلْتَ لي: نُوحٌ أبي، فقلتُ: جَاوِزْ بِأَبِ
فَلَمْ تُجَاوِزْهُ وَفيِ ذَلِكَ بَعْضُ الرِّيَبِ
فَيَا ابنَ نُوحٍ، يَا أَخَا ال حِلْسِ، وَيَا ابْنَ القَتَبِ
وَمَنْ نَشَا وَالِدُهُ بَيْنَ الرُّبَى وَالكُثُبِ
يَا عَربي يَا عَربِي يَا عَربي يَا عَربِي
ولما مات أبو تمام رثاه مخلد بهجاءٍ فقال:
سَقَتْ حَتَارَكَ يَا طَائِيُّ غَادِيَةٌ مِنَ المَنِيِّ وَقُطْعَانٌ مِنَ الكَمَرِ
[ ٣٥ ]
فَنَوْءُ جُرْدَانَ أَشْهَى لاَ أَشُكُّ بِهِإلىَ حَتَارِكَ مِنْ نَوْءَيِنْ مِنْ مَطَرِ
حَرُّ الحُلاَقِ وَبَرْدُ الشِّعْرِ أَتْلَفَهُفَجَاءَهُ المَوْتُ مِنْ حَرٍّ وَمِنْ خَصَرِ
وكان أبو تمام لا يجيب هاجيًا له، لأنه كان لا يراه نظيرًا ولا يشتغل به.
حدثني أبو العشائر الأزدي الشاعر قال، حدثني أبي قال: قلت لأبي تمام: ويحك قد فضحنا هذا الموصلي بهجائك فأجبه، قال: إن جوابي يرفع منه، وأستدر به سبه، وإذا أمسكت عنه سكتت شقشقته، وما في فضل مع هذا عن مدح من أَجتديه.
وقال فيه مخلد:
يَا نَبِيَّ الله في الشِّعْرِ وَيَا عيَسى بنَ مَرْيَمْ
أَنْتَ مِنْ أَشْعَرِ خَلْقِ اللهِ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ!
وقد هجا أبا تمام من هو أشعر من مخلد: حدثني محمد بن موسى الهاشمي، وأبو الربيع المنقري قالا: عزم أبو تمام على الانحدار إلى البصرة والأهواز لمدح من بهما، فبلغ ذلك عبد الصمد بن المعذل فكتب إليه:
أَنْتَ بينَ اثنَتَينِ تَغْدُو مَعَ النَّا سِ وَكِلْتَاهُمَا بِوَجْهٍ مُذَالِ
لَسْتَ تَنْفَكُّ طَالِباُ لِوصَالٍ مِنْ حَبِيبٍ أوْ طَالبًا لِنَوَالِ
أيُّ مَاءٍ لَماءِ وَجْهِكَ يَبْقَى بَعْدَ ذُلِّ الْهَوَى وَذُلِّ السُّؤَالِ؟
فلما قرأ الشعر قال: قد شغل هذا ما يليه، فلا أرب لنا فيه، وأضرب عن عزمه.
وجدت في كتبي: وقال الوليد يهجو أبا تمام، وهي قصيدة اخترت منها:
دَعِ الهِجَاءَ فإِنَّ اللهَ حَرَّمَهُ وَاقْصِدْ إلَى الَحقِّ إنَّ الحَقَّ مُتَّسِع
وَاذْكُرْ حَبيبَ بْنَ أَوْشُونَا وَدِعْوَتَهُ فإنّ طَيًّا إذَا سُبُّوا بِه جِزَعُوا
إنْ يَقْبَلوُكَ أبَا النُّقْصَانِ يَحْتَقبْواعَارًا وتَخفِضُ منهُمْ كلَّ مَا رَفَعُوا
لَوْ أنَّ عَبْدَ مَنَافٍ في أَرُومِتهِمْ تَقَبَّلوُكَ لَمَا ضَرُّوا وَلاَ نَفَعُوا
وَإنْ نَفَوكَ كما يَنفُونَ كَلْبَهُمُ عَنِ الصَّمِيمِ أَصَابُوا الحَقَّ وَانْتَفَعُوا
إِنْ يَرْقَعُوا بِكَ خَرْقًا في أَدِيمِهِمِقالَ العِبَادُ جَمِيِعًا: بِئْسَما رَقَعُوا
مِرْبَاعُ قَوْمكَ نَاقُوسٌ وَشَمْعَلةٌفَاذْكُرْ مَرَابِيَعُهمْ فِيهَا إذَا ارْتَبَعُوا
ولَوْ تُنَاطُ بِطَىٍ كُلُّ مُخْزِيَةٍ لكُنْتَ أخْزىَ لَهمْ منْهَا إذا اجتْمَعُوا
إِنِّي هَجَوْتُكَ عَنْ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ بِأَنَّ شِعْرَكَ قَدْ أَوْدَى بهِ الفَزَعُ
إنّ القُرُومَ إذَا أبْدَتْ شَقَاشِقَهَالِلْهَدْرِ لَمْ يَدْنُ منْ أَعْطَانِهَا الْهُبَعُ