حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال، حدثني أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عتابٍ قال، حدثني أبو تمامٍ الطائي قال: مر الطرماح بمسجد البصرة، وهو يخطر في مشيته، فقال رجل: من هذا الخطار؟ فقال: أنا الذي أقول:
لقد زادني حُبًّا لِنفسَي أنني بغيضٌ إلى كلِّ امرئٍ غيرِ طائِلِ
إذا ما رآني قَطَّع الطَّرفَ دُونَه ودُونِيَ فِعْلَ العَارفِ المتجاهلِ
ملأتُ عليه الأرضَ حتى كأنّها مِن الضِّيقِ في عينينه كِفَّةُ حَابِلِ
حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال، حدثني أبو الفضل أحمد بن أبي طاهرٍ قال، حدثني أبو تمام حبيب بن أوس الطائي قال، حدثنا العطاف بن هارون عن يحيى بن حمزة قاضي دمشق - وكان فيمن تولى قتل الوليد بن يزيد - قال: إني لفي مجلس يزيد بن الوليد الناقص، إذ حدثه فكذبه، فعلم يزيد أنه قد كذبه، فقال له: يا هذا، إنك تكذبُ نفسك قبل أن تكذبَ جليسكَ. قال: فما زلنا نعرف الرجل بعد ذلك بالتوقي.
حدثنا أحمد بن يزيد قال، حدثني أحمد بن أبي طاهرٍ قال، حدثني أبو تمام قال، حدثني شيخ من الحي قال: كان فينا رجل شريف، فأتلف ماله في الجود، فصار بعد لا يفي، فقيل له: أصرت كذابًا؟ فقال: نصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب! قال أبو بكر: فنقل هذا ابن أبي طاهرٍ شعرًا له، فقال:
قد كنتُ أنجِزُ دهرًا ما وَعَدْتُ، إلى أنْ أتلفَ الدهرُ ما جَمَّعْتُ من نَشَبِ
فإنْ أكنْ صِرتْ في وَعْدِي أخا كذبٍ فَنُصْرَةُ الصدقِ أفضَتْ بي إلى الكذبِ!
حدثنا أحمد بن يزيد قال، حدثنا ابن أبي طاهرٍ قال، حدثني أبو تمام قال، حدثني كرامة بن أبان العدوي قال، حدثني رجل من عاملة من بني زهدمٍ قال، قال عدي بن الرقاع: ما أسمعت عمر ابن الوليد بن عبد الملك مديحًا قط إلا كدت أسمع حديث نفسه بحبائي؟ قال: فو الله إني بعد هذا الحديث لفي مجلس عمر، إذ دخل عليه عدي، فأنشده شعرًا فيه، فدعا مولى له فقال: هات نقيضة هذه القصيدة، فظننت أنه ينشده شعرًا، فأتى ببدرةٍ فيها عشرة آلاف درهمٍ فدفعها إليه.
[ ٣٧ ]
حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال، حدثني أحمد بن أبي طاهرٍ قال، حدثني أبو تمام قال، حدثني أبو عبد الرحمن الأموي قال: وصف ابن لسان الحمرة، وهو ربيعة بن حصن من بني تيم اللات بن ثعلبة، قومًا بالعي فقال: منهم من ينقطع كلامه قبل أن يصل إلى لسانه، ومنهم من لا يبلغ كلامه أذن جليسه، ومنهم من يقتسر الآذان فيحملها إلى الأذهان عبأً ثقيلا.
حدثني أحمد قال، حدثني أحمد قال، حدثني أبو تمامٍ قال: كان يزيد بن الحصين بن تميم السكوني لا يعطي، فإذا أعطى أعطى كثيرًا، ويقول: أحب أن تكون مواهبي كتائب كتائب، ولا أحب أن تكون مقانب مقانب.
حدثنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو تمامٍ عن رجلٍ من كلبٍ قال: كنت مع يزيد بن حاتمٍ بإفريقية، فاعترض دروعًا وبالغ فيها، وكانت جيادًا، فقيل له في ذلك، فقال: إنما أشترى أعمارًا لا دروعا!.
حدثني أحمد بن يزيد قال، حدثنا أبي عن عمه حبيب بن المهلب قال: ما رأيت قط رجلًا مستلئمًا في حربٍ إلا كان عندي بمنزلة رجلين اثنين، ولا رأيت رجلين حاسرين في حربٍ قط إلا كانا عندي بمنزلة رجلٍ واحدٍ.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو تمامٍ قال، حدثني كرامة قال: قدم رجل من ولد معدان بن عبيد المعني من عند البرامكة، فقلنا له: كيف تركتهم؟ فقال: تركتهم وقد أنست بهم النعمة حتى كأنها بعضهم! قال أبو تمام، قال كرامة: فحدثت بهذا ثعلبة بن الضحاك العاملي فقال: لقد سمعت من بعض أعرابكم نحوًا من هذا: قدم علينا غسان بن عبد الله بن خيبري في عنفوان خلافة هشام، فرأى آل خالد القسري، فقال: إني أرى النعمة قد لصقت بهؤلاء القوم حتى كأنها من ثيابهم! قلت: فإن صاحب هذا الكلام ابن عم صاحب هذا الحديث فيما أرى، أما ترى كلامه ابن عم كلامه؟.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو تمامٍ قال، حدثنا كرامة قال: تكلم رجل في مجلس الهيثم بن صالح فهذر ولم يصب، فقال: يا هذا، بكلام أمثالك رزق الصمت المحبة!.
حدثنا أحمد بن يزيد قال، حدثنا أحمد، قال حدثنا أبو تمامٍ قال، حدثني سلامة بن جابر النهدي قال: سمعت أعرابيًا يصف قومًا لبسوا النعمة ثم عروا منها، فقال: ما كانت نعمة آل فلانٍ إلا طيفًا ولى مع انتباههم!.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو تمامٍ عن سلامة بن جابر قال: سأل هشام أسد بن عبد الله القسري عن نصر بن سيارٍ وكان عدوه فقال: ذلك رجل محاسنه أكثر من مساويه، لا يضرب إلا انتصف منها، لا يأتي أمرًا يعتذر منه، قسم أخلاقه بين أيام الفضل، فجعل لكل خلقٍ نوبةً، لا يدري أي أحواله أحسن، ما هداه إليه عقله، أو ما كسبه إياه أدبه! فقال هشام: لقد مدحته على سوء رأيك فيه، فقال: نعم، لأني فيما يسألني أمير المؤمنين عنه كما قال الشاعر:
كَفى ثَمَنًا لما أَسْدَيْتَ أَنِّي صَدَقْتُكَ في الصَّديقِ وفي عِدَاى
وَأنِّي حين تَنْدُبُنيِ لأَمْرٍ يكُونُ هَواكَ أغْلبَ مِن هَوَاى
قال: ذاك الظن بك.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو تمامٍ قال، حدثني محمد بن خالد الشيباني قال: قال رجل يومًا لرقبة بن مصقلة العبدي: من أي شيء كثرة شكك؟ قال: من محاماتي عن اليقين!.
حدثنا أحمد بن يزيد قال، حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال، حدثني أبو تمام قال، حدثني أبو عبد الرحمن الأموي قال: ذكر الكلام في مجلس سليمان بن عبد الملك فذمه أهل المجلس، فقال سليمان: كلا، إن من تكلم فأحسن، قدر على أن يسكت فيحسن؛ وليس كل من سكت فأحسن، قدر أن يتكلم فيحسن.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد بن أبي طاهرٍ قال، حدثني أبو تمام قال، حدثني شيخ من بني عدي بن عمرو قال: نزلت عندنا أحوية من طيئ، فكنت أتحدث إلى فتىً يتحدث إلى ابنة عمٍ له، وهو من أقرح الناس كبدًا، فسار فريقها الأدنى إلى الغور، وغبر في أهل بيته، فاشتد جزعه، فقال: يا ابن عم، إن الصبر عن المحبوب أشد من الصبر على المكروه.
[ ٣٨ ]
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال، حدثني حبيب بن أوس الطائي قال، حدثنا قلابة الجرمي قال: قال يزيد بن المهلب يومًا لجلسائه: أراكم تعنفوني في الإقدام! قالوا: نعم، والله إنك لترمي بنفسك في المهالك، فقال: إليكم عني، فو الله لو لم آت الموت مسترسلًا، لأتاني مستعجلًا؛ إني لست آتي الموت من حبه، إنما آتيه من بغضه! وقد أحسن الحصين بن الحمام المري حيث يقول:
تأَخَّرْتُ أستبْقي الحياةَ فلم أجدْ حَيَاةً لِنفْسي مثلَ أن أتقدَّمَا
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد عن أبي تمام قال، قال رجل من بني عمرو بن تميم: يزعم الناس أن السيوف مأمورة تقطع وتكهم، والله ما رأيت يزيد بن المهلب قط فنبا سيفه، فقال ثابت قطنة: والله لو لم تكن السيوف مأمورةً، لصيرتها يد يزيد مأمورةً!.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد بن أبي طاهر عن أبي تمام قال، حدثني مالك بن دلهمٍ عن ابن الكلبي قال: مات ابن لأرطاة بن سهية المري يقال له عمرو - وسهية أم أرطاة وأبوه زفر أحد بني مرة في زمن معاوية - فجزع عليه حتى ذهب عقله أو قارب، فوقف على قبره فقال:
وقفتُ على قبرِ ابن سَلْمى فلم يَكُنْ وُقُوفي عليه غَيْرَ مَبْكىً وَمَجْزعِ
عن الدهْرِ فاصْفَحْ إنه غَيْرُ مُعْتَبٍ وفي غير مَنْ قد وَارتِ الأرضُ فاطمَعِ
هل أنتَ، ابن سَلْمَى إن نظرتُكَ، رَائحٌ معَ القومِ أو غَادٍ غَداةَ غدٍ معي؟
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو تمامٍ قال: تذاكرنا الكلام في مجلس سعيد بن عبد العزيز التنوخي وحسنه، والصمت ونبله، فقال: ليس النجم كالقمر، إنما تمدح السكوت بالكلام، ولا تمدح الكلام بالسكوت، وما أنبأ عن شيءٍ فهو أكثر منه.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو تمامٍ قال، حدثني أبو عبد الرحمن الأموي قال: تكلم رجل عند هشامٍ فأحسن، فقال هشام: إن أحسن الحديث ما أحدث بالقلوب عهدًا.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا حبيب بن أوسٍ قال، حدثني عمرو بن هاشم السروي قال: تحدثنا عند محمد بن عمرو الأوزاعي - والأوزاع من حمير - ومعنا أعرابي من بني عليم ابن جنابٍ لا يتكلم، فقلنا له: بحقٍ ما سميتم خرس العرب، ألا تحدث القوم؟ فقال: إن الحظ للمرء في أذنه، وإن الحظ في لسانه لغيره، فقال الأوزاعي: وأبيه لقد أحسن.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو تمامٍ قال: قال رجل لرجل: ما أحسن حديثك! فقال له: إنما حسنه حسن جوار سمعك.
حدثنا أحمد قال، حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال، حدثني أبو تمامٍ قال، حدثني يحيى بن إسماعيل الأموي قال، حدثني إسماعيل بن عبد الله قال، قال جدي: الصمت منام العقل، والنطق يقظته، ولا منام إلا بيقظةٍ، ولا يقظة إلا بمنامٍ.