أنشدني أبو الغوث لأبيه، يرثي أبا تمامٍ ودعبلًا:
قَدْ زَادَ في كلَفيِ وَأَوْقَدَ لَوْعَتي مَثْوَى حَبيِبٍ يَوْمَ ماتَ وَدِعْبِلِ
وَبَقَاءُ ضَرْب الخْثَعمِيِّ وَشِبْههِ مِنْ كلِّ مُضْطَرِبِ القَريحِةَ مُهْمِلِ
أَهْلُ المعَانِي المستْحَيِلِةِ إنْ هُمُ طَلَبُوا البَدَاعَةَ وَالكَلاَمِ المُعْضِلِ
أَخَوَىَّ، لاَ تَزَلِ السَّمَاءُ مُخِيَلةً تَغْشَاكُمَا بِحَيًا مُقِيمٍ مُسْبِلِ
جَدَث عَلَى الأَهْوَازِ يَبْعُدُ دُونَهُ مَسْرَى النَّعِيِّ وَرِمَّةٌ بِالموْصِلِ
ورثاه الحسن بن وهبٍ فقال:
سَقَتْ بالموْصِلِ القَبْرَ الغَريبَا سُحَائِبُ يَنْتَحبْنَ لَهُ نَحيبَا
إذَا أَطْلَعْنَهُ أَطْلَقْنَ فيِهِ شَعِيبَ المُزْنِ مُنْبَعِقًا شَعِيبَا
وَلَطَّمتِ البُرُوقُ لَهَا خُدُودًا وَشَقَّقَتِ الرُّعُودُ لَهَا جُيُوبَا
فإِنّ تُرابَ ذَاكَ الْقَبْرِ يَحْوِي حَبيبًا كَانَ يُدْعَى ليِ حَبيِبَا
ظَرِيفًا شَاعِرًا فَطِنًا لَبيِبًا أَصِيلَ الَّرأْيِ في الْجُلَّى أَرِيبَا
إِذَا شَاهَدْتَه رَوَّاكَ ممَّا يَسُرُّكَ رِقَّة مِنْهُ وَطِيبَا
أَبَا تَمَّامٍ الطّائيَّ، إِنَّا لَقِينَا بَعْدَكَ العَجَبَ العَجِيبَا
فَقَدْنَا مِنْكَ عِلْقًا لاَ تَرَانَا نُصِيبُ لَهُ مَدَى الدُّنْيَا ضَرِيبَا
وَكُنْتَ أَخًا لنَا تُدْنِي إِلَيْنَا صَمِيمُ الوُدِّ وَالنَّسَبَ القَرِيبَا
وَكانَتْ مَذْحِجٌ تُطْوَى عَلَيْنَا جَمِيعًا ثُمَّ تَنْشُرُنَا شُعُوبَا
فَلَمَّا بِنْتَ نَكَّرَتِ اللّيَالِي قَرِيبَ الدَّارِ وَالأَقْصَى الْغَريبَا
وَأبْدَي الدَّهْرُ أَقْبَحَ صَفْحَتَيِهْ وَوَجْهًا كالِحًا جَهمًْا قَطُوبَا
فأَحْرِ بأَنْ يَطيبَ المَوْتُ فيهِ وَأَحْرِ بِعيشَةٍ ألاَّ تَطِيبَا
وقال علي بن الجهم يرثيه:
غَاضَتْ بدَائِعُ فِطْنَةِ الأَوْهَامِ وَعَدَتْ عليْهَا نَكْبَةُ الأيَّامِ
وَغَدَا القَريِضُ ضَئِيلَ شَخْصٍ بَاكِيًا يَشْكُو رَزيَّتَهُ إلى الأَقْلاَمِ
وَتَأَوَّهَتْ غُرَرُ الَقوَافيِ بَعْدَهُ وَرَمَى الزَّمَان صَحِيحَهَا بِسَقَامِ
أَوْدَى مُثَقِّفُهَا وَرَائِضُ صَعْبِهَا وَغَديِرُ رَوْضَتهَا أَبُو تَمَّامِ
[ ٤٢ ]
وأنشدني أبو جعفر المهلبي، وأبو محمد الهدادي، لأحمد بن يحيى البلاذري، يرثي أبا تمامٍ، ويهجو أبا مسلم بن حميدٍ الطوسي:
أَمْسَى حَبْيبٌ رَهْنَ قَبرٍ مُوحِشٍ لَمْ تُدْفَعِ الأَقْدَارُ عَنْهُ بِأَيْدِ
لمْ يُنْجِهِ لمَّا تَنَاهَي عُمْرُهُ أَدَبٌ، وَلَم يَسْلَمْ بقوةِ كيْدِ
قد كُنتُ أَرْجُو أَنْ تنَالَكَ رْحَمةٌ لِكنْ أَخَاف قَرَابةَ ابن حُمَيْدِ!
وقال فيه الحسن بن وهبٍ أيضًا:
فُجِعَ القَريضُ بخاتَمِ الشُّعراءِ وغَديرِ رَوْضَتِهَا حَبيبِ الطَّائي
مَاتَا مَعًا فتجاوَرَا في حُفْرَةٍ وكذاكَ كاناَ قبلُ في الأَحيَاءِ
وقال محمد بن عبد الملك يرثيه وهو وزير:
نَبَأٌ أَتَى مِنْ أَعظَمِ الأَنْبَاءِ لَمَّا أَلَمَّ مُقَلْقِلُ الأَحشَاءِ
قاَلُوا: حَبيبٌ قد ثَوَى، فأَجبْتُهُمْ: نَاشَدْتُكُمْ لاَ تَجْعَلُوهُ الطّائيِ
وقال أيضًا:
ألاَ للهِ مَا جَنَتِ الخُطُوبُ تُخُرِّمَ مِنْ أَحِبَّتِنَا حَبِيبُ
فَماتَ الشِّعْرُ مِنْ بَعْدِ ابنِ أَوْسٍ فَلاَ أَدَبٌ يُحَسُّ وَلاَ أَديِبُ
وكُنْتَ ضَرِيبَ وَحْدِكَ يا ابنَ أَوْسٍ وَهَذا النَّاسُ أخلاقٌ ضُروبُ
لِئنْ قَطَعَتْكَ قَاطِعَةُ المنَايَا لَمِنْكَ وَفيكَ قطِّعتِ القُلوبُ
وقال عبد الله بن أبي الشيص:
أَصْبَحَ في ضَنْكٍ منَ الأَرْضِ أكثَرُ في الأرضِ منَ الأرْضِ
مَنْ عَرْضُ ذِكْرَاهُ وَمَنْ طُولهُا كالأرْضِ ذَاتِ الطُّوِل وَالعَرْضِ
أَكْرِمْ بِمَلْحُودٍ يُدَانَي إلى وَجْهِكَ يا ابْنَ الْكَرمِ المحْضِ
مَا في حَبيبٍ لي، ابنَ أوْسٍ، أُسىً يَجْمَعُ بَينَ الجَفْن والغُمْضِ
حارَ ذَوُو الآدَابِ إذْ فَوجِئُوا منْهُ بَيْومٍ غَيْرِ مُبْيَضِّ
طَوْدٌ مِنَ الشِّعْرِ دَعَا بَعْضُهُ بَعْضًا، فَهْدَّ البَعْضُ بالبَعْضِ
بَحْرٌ مِنَ الشِّعْرِ لَهُ جَائِشٌ مُلْتَطِمٌ بالُّلؤْلُؤِ الْبَضِّ
كأنما الشِّعْرٌ شِعَارٌ لَهُ أَوْ وَرَقٌ في غُصُنٍ غَضِّ
لما أَتَمَّ اللهُ فِيكَ الذيِ أَمَّلتَ مِنْ بَسْطٍ وَمنْ قَبْضِ
رَمَاكَ رَامٍ لِلمْنَاَيَا وَمَا آذَنَ عِنْدَ. الرَّمْىِ بِالنَّبْضِ
لَوْ كانَ لِلشِّعْرِ عُيُونٌ بَكَتْ لِكَوْكَبٍ لِلشِّعْرِ مُنْقَضِّ
وقال، ووجدته بخط ابن مهرويه:
يا حُفْرَةَ الطّائيِّ، أَيَّ امْرِئٍ
شِعَارُهُ أَنتِ وَلَمْ تَشْعُرِي
كَمْ بَيْنَ أَثْنَائكِ منْ حِكْمَةٍ
[ ٤٣ ]