بسم الله الرحمن الرحيم أخبار أبي نواس الحسن بن هانئ جمع أبي هفان عبد الله بن احمد بن حرب رحمهما الله تعالى آمين.
هو أبو علي الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس الشاعر ولد بالأهواز ونشأ بالبصرة كان مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان.
قال: ما رأيت رجلا أعلم باللغة من أبي نواس، وقال الشعر وكان يستشهد بشعره.
قال محمد بن زكريا: حضر أبو الطيب المتنبي مجلس أبي علي بن البازيار وزير سيف الدولة وفيه ابن خالويه فتماريا في أشجع السلمي وأبي نواس فقال ابن خالويه: أشجع أشعر إ يقول في هرون الرشيد:
وعلى عدوك يابن عم محمد رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفا سلت عليه سيوفك الاحلام
فقال المتنبي: لأبي نواس ما هو أحسن منه وهو قوله يرثي البرامكة:
لم يظلم الدهر إذ توالت فيهم مصيباته دراكا
كانوا يجيرون من يعادي منه فعاداهمو لذاكا
ثم قال المتنبي:
أبو نواس أشهر في الدنيا من الدنيا
قل للذي قاس به غيره أقست يسراك على اليمنى
[ ٢٣ ]
قال: وكان أول اتصاله بالرشيد أنه دخل وهو شاب بعض المساجد عشاء فوجد الإمام في الصلاة فصلى خلفه فقرأ الإمام: «قل يا أيها الكافرون» فقال أبو نواس: لبيك. فتواثب الناس إليه وشهدوا عليه بالكفر ورفع خبره إلى الرشيد فأمر بإحضاره فأحضروه وأحضروا معه حمدويه صاحب الزندقة فأخبره بحاله وسأله عنه فقال والله يا أمير المؤمنين ما أعرفه وهو يشبه أنه رجل ماجن ليس بزنديق، فقال له الرشيد قد وقع في نفسي منه فامتحنه، فوضع له صورة وقال له ابصق عليها فأهوى بفيه ليقيء عليها فلم يطاوعه القيء فامتخض عليها فضحك الرشيد منه وعلم أنه ماجن، واتفق أنه أتى في ذلك الوقت برجل زنديق من الثنوية فأمره أن يبصق على الصورة فقال: ليس البصاق من شأن أهل المروءة فأمر بعض خدمه أن يذهب بهما لابن شاهك ليؤدب أبا نواس ويخلي سبيله ويحبس الزنديق حتى يتوب فلما صاروا في بعض الدار سأل الخادم: أين تذهب بنا؟ فقال: إلى السندي ليحبسك ويؤدب هذا ويطلقه فرفع أبو نواس كفه وصفعه صفعة محكمة وقال يا ابن الفاعلة استثبت ما قاله أمير المؤمنين. فبصر الرشيد بهم وأمر بردهم وسأله عن السبب فقال: يا أمير المؤمنين عكس المعنى، أراد أن يطرحني بحيث أنسى ويطلق هذا الزنديق فضحك منه وأمر بإطلاقه.
وقال أبو نصر: رأيت أبا نواس يوما وهو يكنس مسجدا فقلت له: ما هذا؟ فقال": أردت أن يرفع إلى السماء في هذا اليوم خبر ظريف.
قال رجل سائل لأبي نواس هب لي هذه الجبة. فقال: إني لا أملك غيرها. فقال له السائل: إن الله تعالى يقول «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة» فقال له أبو نواس بسرعة: هذه الآية نزلت في شهر تموز في حق أهل الحجاز ولم تكن نزلت في شهر كانون في حق أهل بغداد.
ويحكى من سرعة بديهته أن ندماء الأمين اجتمعوا في مجلس خلاعة وفيهم أبو نواس، فخرج عليهم الأمين في زينته مخمورا والجواري يحملن سريره، فلما رآه أبو نواس قال: «إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة» فانظر إلى حسن انتزاعه ما أبرعه وأبدعه، وبديهته ما أسرعها، لقد جاوز شأو الاختراع في الانتزاع لأن أباه هرون الرشيد وعمه موسى وهو وارثهما.