وروى أبو هفان قال: كان أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي يطعن على أبي نواس ويعيب شعره ويضعفه ويستلينه فجمع مع بعض رواة أبي نواس فجلس والشيخ لا يعرفه فقال له صاحب أبي نواس: اتعرف أعزك الله أحسن من هذا وأنشده:
ضعيفة كر الطرف (تحسب أنها قريبة عهد بالإفاقة من سقم
تفوق مالي من طريف وتالد تفوقي من حلب الكرم
وإني لآتي الوصل من حيث يبتغي وتعلم قوسي حين أنزع من أرمي)
فقال: لا والله فلمن هو؟ قال للذي يقول:
رسم الكرى بين الجفون محيل عفي عليه بكا عليك طويل
يا ناظرا ما أقلعت لحظاته حتى تشحط بينهن قتيل
فطرب الشيخ وقال: ويحك لمن هذا؟ فوالله ما سمعت أجود منه لقديم ولا محدث، فقال لا أخبرك أو تكتبه، فكتبه وكتب الأول فقال: للذي يقول:
ركب تساقوا على الأكوار بينهمو كأس الكرى فانتشى المسقي والساقي
كأن أرؤسهم والنوم واضعها على المناكب لم تخلق بأعناق
ساروا فلم يقطعوا عقدا لراحلة حتى أناخوا إليكم قبل أشواق
من كل جائلة الطرفين ناجية مشتاقة حملت أوصال مشتاق
فقال: لمن هذا؟ وكتبه، فقال: للذي تذمه وتعيب شعره أبي علي الحكمي. قال: اكتم علي فوالله لا أعود لذلك أبدا.