وقد جرى من خلق كثير من العقلاء ما يشبه التغفيل إلا أنهم لم يقصدوا ذلك، فذكرت منهم طرفًا لشبهه بالتغفيل. فمن ذلك ما حكي عن بعض المغنين قال: حضرت عند أمير لأغنيه فجرى حديث بعض الوزراء فذكرت من محاسنه وكرمه شيئًا لأحركه به ليفعل مثله ثم غنيته:
[ ٦٧ ]
الطويل:
قواصد كافور توارك غيره ومن قصد البحر استقل السواقيا
فقال لي: قبحك الله ما هذه المعاشرة؟ فاستيقظت وحلفت أني ما قصدته. ومثل هذا ما جرى لعبد الله بن حسن فإنه كان يساير السفاح وينظر إلى مدينته التي بناها ظاهر مدينة الأنبار فأنشده: الوافر:
ألم تر مالكًا أضحى يبني بيوتًا نفعها لبني بقيلة
يرجى أن يعمر عمر نوح وأمر الله يأتي كل ليلة
فغضب فاعتذر إليه. وبينا عيسى بن موسى يساير أبا مسلم يوم إدخاله على المنصور تمثل عيسى فقال:
[ ٦٨ ]
الطويل:
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت وما حل في أكباد عاد وجرهم
فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت؟ فقال عيسى: اعتقت ما أملك إن كان هذا شيئًا أضمرته.