٢٢٤ - قال الأصمعي: كان أعرابيّان متواخيين بالبادية، فاستوطن أحدهما الريف، واختلف إلى باب الحجّاج، فاستعمله على أصبهان، فسمع أخوه الذي بالبادية، فضرب إليه، فأقام ببابه حينًا لا يصل إليه، ثمّ أذن له بالدّخول، فأخذه الحاجب، فمشى به، هو يقول: سلّم على الأمير؛ فلم يلتفت إلى قوله، وأنشد:
(ولست مسلّمًا ما دمت حيّا على زيدٍ بتسليم الأمير)
فقال: لا أبالي؛ فقال الأعرابي:
(أتذكر إذ لحافك جلد كبشٍ وإذ نعلاك من جلد البعير)
فقال: نعم، فقال الأعرابي:
(فسبحان الذي أعطاك ملكًا وعلمك الجلوس على السرير)
٢٢٥ - قال الأصمعي: أتيت البادية، فإذا أعرابيّ قد زرع برًّا، فلمّا استوى وقام على سنبله، مرّ به رجلٌ من جرادٍ، وتضيّفوا به، فجعل الأعرابي ينظر إليه ولا حيلة له، فأنشأ يقول:
[ ١٠٩ ]
(مر الجراد على زرعي فقلت له ألمم بخيرٍ ولا تلمم بإفساد)
(فقال منهم عظيمٌ فوق سنبلةٍ إنّا على على سفرٍ لا بد من زاد)
٢٢٦ - قال إبراهيم بن عمر: خرج أبو نواس في أيّام العشر يريد شراءَ أضحيةٍ، فلمّا صار في المربد إذا هو بأعرابي قد أدخل شاةً له يقدمها كبشٌ فارهٌ، فقال: لأجرِّبنّ هذا الأعرابي فأنظر ما عنده، فإني أظنّه عاقلًا؛ فقال أبو نواسٍ:
(أيا صاحب الشّاة الّتي قد تسوقها بكم ذاكم الكبش الذي قد تقدّما)
فقال الأعرابيّ:
(أبيعكه إن كنت ممّن يريده ولم تكُ مزّاحًا بعشرين درهما)
فقال أبو نواسٍ:
(أجدت رعاك الله ردَّ جوابنا فأحسن إلينا إن أردت التّكرما)
فقال الأعرابي:
(أحطُّ من العشرين خمسًا فإننّي أراك ظريفًا فأقبضنه مسلمًا)
قال: فدفع إليه خمسة عشر درهمًا، وأخذ كبشًا يساوي ثلاثين درهمًا.
٢٢٧ - قال أبو جعفرٍ محمد بن عبد الرحمن البصري: حدّثني ابن عائشة أنّ فتيان من فتيان أهل البصرة خرجوا إلى ظهر البصرة،
[ ١١٠ ]
فأخذوا في شرابهم، وما زالوا يتناشدون ويتنادمون ويتحدّثون حتى كربت الشمس أن تغرب، فطلبوا خلوةً ممّن يغلُ عليهم في شرابهم، فإذا أعرابيٌ كالنّجم المنقض يهوي حتى جلس بينهم، فقال بعضهم لبعض: قد علمنا أنّ مثل هذا اليوم لا يتم لنا؛ ثمّ قال أحدهم:
(أيها الواغل الثّقيل علينا حين طاب الحديث لي ولصحبي)
فقال الآخر:
(خفَّ عنّا فأنت أثقل والله علينا من فرسخي دير كعب)
فقال الثالث:
(فمن النّاس من يخف ومنهم كرحى البزر ركبت فوق قلب)
فقال الأعرابي:
(لست بالنّازح العشيّة والله لشجِّ ولا لشدَّةِ ضرب)
(أو تروون بالكبار حشاشي وتعلّون بعدهن بقعبي)
وطرح قعبًا كان معلّقًا؛ فضحكوا من ظرفهِ، وحملوه معهم إلى البصرة، فلم يزل نديمًا لهم.
٢٢٨ - قال العتبيّ: اشتدّ الحرُّ عندنا بالبصرة وركدت الرّيح، فقيل لأعرابيّ: كيف كان هواؤكم البارحة؟ قال: أمسك! كأنّه يسمع.
[ ١١١ ]
٢٢٩ - قال ابن الأعرابي: قال رجلٌ من الأعراب لأخيه: تشرب الخازر من اللبن ولا تتنحنح؟ فقال: نعم؛ فتجاعلا جعلًا، فلمّا شربه آذاه؛ فقال: كبشٌ أملحُ، وبيت أفيح، وأنَا فيه أتبحبح. فقال له أخوه: قد تنحنحت! فقال: من تنحنح فلا أفلح.
٢٣٠ - قال إبراهيم بن المنذر الحزاميّ: قدم أعرابيُّ من أهل البادية على رجلٍ من أهل الحضر، فأنزله، وكان عنده دجاجٌ كثيرٌ، وله امرأة وابنان وبنتان.
قال: فقلت لامرأتي: اشوي دجاجةٌ وقدميها إلينا نتغدى بها؛ وجلسنا جميعًا، ودفعنا إليه الدجاجة، فقلنا: اقسمها بيننا؛ نريد بذلك أن نضحك منه، قال: لا أحسن القسمة، فإن رضيتم بقسمتي قسمت بينكم؛ قلنا: نرضى؛ فأخذ رأس الدجاجة، فقطعه، فناولينه، وقال: الرّأس للرئيس؛ ثمّ قطع الجناحين، وقال: الجناحان للابنين؛ ثمّ قطع السّاقين، وقال: الساقان للابنتين؛ ثمّ قطع الزّمكّى، وقال: العجز للعجوز؛ ثمّ قال: والزّور للزائر؛ فلمّا كان من الغد، قلت لامرأتي: اشوي لي خمس دجاجاتٍ؛ فلمّا حضر الغداء، قلنا: اقسم بيننا؛ قال: شفعًا أو وترًا؟ قلنا: وترًا، قال: أنت وامرأتك ودجاجةٌ ثلاثةٌ؛ ثمّ رمى بدجاجةٍ، وقال: وابناك ودجاجةٌ ثلاثةٌ؛ ورمى إليهما بدجاجةٍ، وقال: وابنتاك ودجاجةٌ ثلاثةٌ؛ ثمّ قال: وأنا ودجاجتان ثلاثةٌ؛ فأخذ الدجاجتين؛ فرآنا ننظر إلى دجاجتيه فقال: لعلّكم كرهتم قسمتي الوتر؟ قلنا: اقسمها شفعًا؛ فقبضهن إليه، ثمّ قال: أنت وابناك
[ ١١٢ ]
ودجاجةٌ أربعةٌ؛ ورمى إلينا دجاجةٌ، ثمّ قال: والعجوز وابنتاها ودجاجةٌ أربعة؛ ورمى إليهنّ دجاجةٌ، ثم قال: وأنا وثلاث دجاجات أربعةٌ؛ وضم ثلاث دجاجاتٍ، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، أنت فهّمتنيها.
٢٣١ - قال الشعبيّ: قال عمرو بن معدي كرب: خرجت يومًا حتى انتهيت إلى حي، فإذا بفرسٍ مشدودةٍ ورمحٍ مركوز، وإذا صاحبه في وهدةٍ يقضي حاجة له، فقلت له: خذ حذرك؛ فإني قاتلك؛ قال: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن معدي كرب؛ قال: يا أبا ثور ﴿ما أنصفتني؛ أنت على ظهر فرسك وأنا في بئرٍ﴾ فأعطني عهدًا أنّك لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري؛ فأعطيته عهدًا أني لا أقتله حتى يركب فرسه ويأخذ حذره؛ فخرج من الموضع الذي كان فيه حتى احتبى بسيفه وجلس؛ فقلت له: ما هذا ﴿؟ قال: ما أنا براكبٍ فرسي، ولا مقاتلك﴾ فإن نكثت عهدًا فأنت أعلم؛ فتركته ومضيت؛ فهذا أحيل من رأيت.
٢٣٢ - قال قحذمٌ: وجد في سجن الحجّاج ثلاثةٌ وثلاثون ألفًا، ما يجب على أحدٍ منهم قطعٌ ولا قتلٌ ولا صلبٌ، وأخذ فيهم أعرابيٌّ رئي جالسًا يبول عند ربط مدينة واسط، فخلّي عنهم، فانصرف الأعرابي وهو يقول:
(إذا نحن جاوزنا مدينة واسطٍ خرينا وصلّينا بغير حساب)
٢٣٣ - سمع أعرابيٌّ رجلًا يروي عن ابن عباس أنّه قال: من نوى الحجّ وعاقه عائقٌ كتب له الحجّ؛ فقال الأعرابي: ما وقع العام كراءٌ أرخص من هذا!
[ ١١٣ ]
٢٣٤ - استأذن حاجب بن زرارة على كسرى، فقال له الحاجب: من أنت؟ فقال: رجلٌ من العرب؛ فأذن له، فلمّا وقف بين يديه، قال: من أنت؟ قال: سيد العرب؛ قال: ألم تقل للحاجب أنا رجلٌ منهم؟ قال: بلى ﴿ولكني وقفت بباب الملك وأنا رجلٌ منهم، فلمّا وصلت إليه سدتهم؛ فقال كسرى: زه﴾ احشوا فاه درًّا.
٢٣٥ - نزل أعرابي في سفينةٍ، فاحتاج إلى البراز، فصاح: الصلاة الصلاة؛ فقربوا إلى الشطّ، فخرج، فقضى حاجته، ثم رجع، فقال: ادفعوا، فعليكم بعد وقتٌ.
٢٣٦ - قال مهدي بن سابقٍ: أقبل أعرابيٌّ يريد رجلًا، وبين يدي الرّجل طبقٌ فيه تينٌ، فلمّا أبصر الأعرابي غطى التين بكساءٍ كان عليه والأعرابي يلاحظه، فجلس بين يديه، فقال له الرّجل: هل تحسن من القرآن شيئًا؟ قال: نعم؛ قال: فأقرأ؛ فقرأ الأعرابي: ﴿والزيتون وطور سينين﴾ [٩٥ سورة التين / الآيتان: ١ و٢] قال الرجل: فأين ﴿التين﴾؟ قال: تحت كسائك.
٢٣٧ - قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وأرى كلّ شيءٍ مني في إدبارٍ، وإدباري في إقبال.
٢٣٨ - اشترى أعرابيٌّ غلامًا، فقيل له: إنّه يبول في الفراش؛ فقال: إن وجد فراشًا فليبل فيه.
[ ١١٤ ]
٢٣٩ - نظر أعرابيٌ إلى البدر في رمضان، فقال: سمنت وأهزلتني، أراني فيك السّلّ.
٢٤٠ - قيل لبعضهم: أيّ وقتٍ تحبّ أن تموت؟ قال: إن كان ولا بد، فأوّل يوم من رمضان.
٢٤١ - قال رجلٌ لرجلٍ: ممّن أنت؟ قال: من العرب، من بني تميم. قال: من أكثرها أو من أقلها؟ قال: من أقلها. يشير إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ [٤٩ سورة الحجرات / الآية: ٤] .
٢٤٢ - قال الأصمعي: حدّثني شيخٌ من بني العنبر، قال: أسر بنو شيبان رجلًا من بني العنبر، فقال لهم: أرسلوا إلى أهلي ليفدوني؟ قالوا: ولا تكلم الرسول إلا بين أيدينا؛ فجاءوه برسولٍ، فقال له: ائتِ قومي، فقل لهم: إن الشجر قد أورق، وإنّ النساء قد اشتكت؛ ثمّ قال له: أتعقل؟ قال: نعم، أعقل؛ قال: فما هذا؟ وأشار بيده إلى الليل؛ فقال: هذا الليل؛ قال: أراك تعقل، انطلق فقل لأهلي: عرّوا جملي الأصهب، واركبوا ناقتي الحمراء، وسلوا حارثة عن أمري؛ فأتاهم الرسول، فأرسلوا إلى حارثة، فقص عليه القصة. فلمّا خلا معهم، قال: أما قوله: إن الشجر قد أورق؛ فإنه: إن القوم قد تسلحوا؛ وقوله: إن النساء قد اشتكت؛ فإنه يريد: إنها قد اتخذت
[ ١١٥ ]
الشكاء للغزو، وهي أسقيةٌ، وقوله: هذا الليل؛ يريد: يأتونكم مثل الليل أو في الليل؛ وقوله: عروا جملي الأصهب؛ يريد: ارتحلوا عن الصمان؛ وقوله: واركبوا ناقتي؛ يريد: اركبوا الدّهناء. فلمّا قال لهم ذلك تحولوا من مكانهم، فأتاهم القوم، فلم يجدوهم.
٢٤٣ - قال ابن الأعرابي: أسرت طيىء رجلًا شابًا من العرب، فقدم عليه أبوه وعمّه ليفدياه، فاشتطوا عليهما في الفداء، وبذلًا ما لم يرضوا، فقال أبوه: لا والذي جعل الفرقدين يصبحان ويمسيان على جبلي طيىءٍ لا أزيدكم على ما أعطيتكم؛ ثمّ انصرفا، فقال الأب للعم: لقد ألقيت إلى ابني كلمةٌ إن كان فيه خيرٌ لينجونّ؛ فما لبث أن نجا، وطرد قطعةً من إبلهم، كأنّه قال له: الزم الفرقدين على جبلي طيىءٍ، فإنّهما طالعان عليه، ولا يغيبان عنه.
٢٤٤ - قال عيسى بن عمر: ولي أعرابيٌ البحرين، فجمع يهودها، فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ قالوا: نحن قتلناه وصلبناه؛ قال: فوالله لا تخرجون حتى تؤدوا ديته؛ فأخذها منهم.
٢٤٥ - وولي أعرابيٌّ تبالة، فصعد المنبر، فقال: إنّ الأمير ولاّني
[ ١١٦ ]
بلدكم، وإني والله ما أعرف من الحق موضع سوطي، ولا أوتى بظالم ولا مظلومٍ إلا أوجعتهما ضربًا، فكانوا يتعاطون الحق بينهم ولا يترافعون إليه.
٢٤٦ - قال نصرٌ بن سيار: قلت لأعرابي: هل أتخمت قط؟ فقال: أمّا من طعامك وطعام أبيك فلا. فيقال: إن نصرًا حم من هذا الجواب أياّمًا.
٢٤٧ - سافر أعرابيٌّ في وجهٍ فلم ينجح، فقال: ما ربحنا في سفرنا إلا قصر الصلاة.
٢٤٨ - كان عامر بن ذهلٍ من أشد الناس قوةً، فأسن وأقعد، فاستهزأ به شبابٌ من قومه وضحكوا منه، فقال: إني ضعيف، فادنوا مني، فاحملوني؛ فدنوا منه ليحملوه، فضمَّ رجلين إلى إبطه، ورجلين بين فخذيه، ثمّ زجر بعيره، فنهض بهم مسرعًا، فقال: بني أخيّ! أرجلكم والعرفط؛ فأرسلها مثلًا.
[ ١١٧ ]