يروى عن عروة بن الزّبير، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت سمعت رسول الله، ﷺ، يقول وهو على المنبر: " لا شيء أغير من الله. " وعن عبد الله بن مسعودٍ أنّه قال: أنّ الله ليغار للمسلم فليغر وعنه، وعن رسول الله، ﷺ، أنّه قال: " ليس شيءٌ أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش. " وعن كعب بن مالك أنّ رسول الله، ﷺ، قال: " الغيرة، غيرتان: فغيرةٌ يحبّها الله، وغيرةٌ يكرهها الله ". قلنا يا رسول الله، ما الغيرة التي يحبّها الله، قال: " أن يغار أن يأتي معاصي الله، وينتهك محارمه ". قلنا وما الغيرة التي يكرهه: قال " أن يغار أحدكم في غير كنهه. " وعن عبد الملك بن عمير بن عبد الله بن بكار أنّه قال: " الغيرة غيرتان: غيرةٌ يصلح بها الرّجل أهله، وغيرةٌ تدخله النّار ".
[ ٨٢ ]
ويروى: أنّ سارة كانت تحبّ إبراهيم خليل الرّحمن. فمكثت معه دهرًا لا ترزق ولدًا، فلمّا رأت ذلك وهبت له هاجر، وكانت أمةً لها قبطيّةً، فولدت لإبراهيم إسماعيل، صلّى الله عليهما، فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها، وعتبت على هاجر. فحلفت لتقطعنّ عضواّ من أعضائها فقال لها إبراهيم، صلّى الله على نبينا وعليه: هل لك أن تبري يمينك؟ قالت: كيف أصنع؟ قال: أثقبي أذنيها وخصّفيها. والخصف هو الخياطة. ففعلت ذلك بها، فوضعت في أذني هاجر قرطين فازدادت حسنًا. فقالت سارة: إنّي إنّما زدتها جمالًا: فلم تتركه على كونها معه. ووجد بها إبراهيم وجدًا شديدًا، فنقلها إلى مكّة وكان يزورها في كلّ وقتٍ من الشّام لشغفه بها، وقلّة صبره عنها.
وعن ابن أبي مليكة: أنّ ابن عمرو سمع امرأته تكلّم امرأةً من وراء جدار، بينها وبينها قرابةً لا يعلمها ابن عمرو، قال: فجمع لها جرائد ثمّ أتى فضربها بها.
وعن علقمة: أنّ معاذ بن جبل كان يأكل تفّاحةً ومعه
[ ٨٣ ]
امرأته فدخل علها غلامٌ، فناولته أمرأته تفّاحةً قد أكلت منها فأوجعها ضربًا.
وقال بعضهم: لذّة المرأة على قدر شهوتها، وغيرتها على قدر لذّتها. واستدل بإفراط غيرتها على إفراط حرصها. وهذا القول خطأ قد علمنا أنّ الرّجل أشدّ غيرةً على المرأة من المرأة على الرّجل. وربّما كان الذي يبدو من المرأة عند تسرّي زوجها بالسّراري وتزويجه المهيرات، وحين تراه مع بعضهنّ توهيمًا للفعل أنّ ذلك من الطّربة والكراهة المشاركة فيه. وبعض ذلك يكون من طريق الألفة والنّفاسة به، وليس شكل ما تلقى المرأة إذا رأت فراشها، من شكل ما يلقى الرّجل إذا رأى على فراش امرأته رجلًا. لأنّ المرأة قد عاينت أنّ الرّجل له أربع نسوةٍ وألف جاريةٍ يطؤهنّ بملك اليمين، لما أحلّه الله في الشّريعة. وكذلك غيرة فحول الحيوان على إناثها، لأنّ فحل الحيوان يقاتل دونها كلّ فحلٍ يعرض لها حتّى تصير إلى الغالب. قال الرّاجز.
يغار والغيرة في خلق الذّكر والأمم تختلف في الغيرة. فمن الصّقالبة ناسٌ لا يتزوّجون من قربٍ منهم في النّسب ولا الدّار. وإذا مات البعل خنقت المرأة نفسها أسفًا عليه.
والمرأة في الهند إذا مات زوجها وأرادوا حرقه، جاءت ليحرقوها معه.
والدّيلميّ يخرج من الدّيلم إلى حدود ما بين دار الإسلام والدّيلم، ومعه امرأته وإخوانه وعمّاته فيبيعهنّ صفقةً واحدةً، ويسلّمهنّ إلى المبتاع،
[ ٨٤ ]
لا تدمع عينه ولا عينٌ واحدةٍ من عياله.
وأهل طبرستان لا يتزوّج الرّجل الجارية منهنّ حتّى يستبطن بها حولًا محرّمًا ثمّ يقدم بها فيخطبها إلى أهلها ويتزوّجها، ثمّ يزعمون مع ذلك أنّه يجدها بكرًا، وقد عانقها في إزارٍ واحدٍ سنةً كاملةً وهو لا يستبطن بها، ويحتمل وحشة الاغتراب، وانقطاع الأسباب. وإنّ من أعجب العجب أن يمكثا متعانقين في لحافٍ واحدٍ يحتجران عن ألّذ الأمور تكرّمًا. وهذا التّكرّم عند علوج طبرستان من العجائب.
قال معاوية، ﵁: ثلاث خصالٍ من السّؤدد، الصّلع، واندماج البطن، وترك الإفراط في الغيرة.
ولمّا نزل قيس بن زهير ببعض العرب قال لهم: أنّي غيورٌ، وأنا فخورٌ، وأنا أنفٌ، ولكن لا أغار حتّى أرى، ولا أفخر حتّى افعل، ولا آنف حتّى أضام. فعابوه بقوله لا أغار حتّى أرى ويظنّ به إنّما عني رؤية السّبب لا رؤية المرافقة.
وعابوا معاوية أيضًا بقوله هذا ونسبوه إلى قلّة الغيرة وما أرى في قوله وترك الإفراط في الغيرة عيبًا لأنّ الإفراط المجاوز للحقّ ولمقدار المصلحة وظلم الخليلة العفيفة والحرمة الكريمة غير لائقٍ.
وعاب النّاس قول هدبة بن خشرم حيث يقول:
[ ٨٥ ]
فلا تنكحي إن فرّق الدّهر بيننا أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
فهذا يأمرها بتزويج الأنزع القليل شعر القفا والوجه.
ولا أرى فيه عيبًا أيضًا لأنّ إنّما قال ذلك ليذكّرها جمال نفسه ليزهدها في غيره.
وأمّا قول نصيبٍ:
أهيم بدعدٍ ما حييت وإن أمت فيا ليت شعري من يهيم بها بعدي
فإنّي لم أجد له تأويلًا. وعاب ذلك عليه عبد الملك بن مروان، وقال لجلسائه: أو لو كنتم قائلين هذا البيت ما كنتم تقولون؟ قالوا: لا ندري، فكيف كان أمير المؤمنين قائلًا: قال: كان يقول:
أهيم بدعدٍ ما حييت فإن أمت فلا صلحت دعد لذي خلّةٍ بعدي
وكان الرّجل من العرب إذا خرج مسافرًا بدأ بالشّجرة يعقد خيطًا على ساقها أو على غصنً من أغصانها، فإذا رجع إلى أهله بدا إلى الشّجرة فنظر إلى الخيط، فإن كان منحلًّا حكم أنّ امرأته خانته، وإن كان على حاله حكم أنّها حفظته.
[ ٨٦ ]
وأنشد أبو زيدٍ النحويّ:
هل ينفعك اليوم إن همت بهم كثرة ما توصي وتعفي والرّتم
والرّتم اسمٌ للخيط الذي يعقد في الخنصر لتذكّر الحاجة.
وكان معاوية بن أبي سفيان يتمثّل بقول الشّاعر:
ومراكبٍ رجع السّلام بكفّه ومودّعٍ لم يستطع تسليما
وقال آخر:
وأضحى الغيور، أرغم الله أنفه، على ملتقانا قائمًا يتمطّق
وقد مدّ شدقيه من الغيظ والأذى كما مدّ شدقيه الحمار المحنّق
وقال الرّاعي:
وظلّ الغيور آرضًا ببنانه كما عضّ برذون على الفاس جامح
لقد رابني أنّ الغيور يودّني وأنّ نداماي الكهول الجحاجح
[ ٨٧ ]
وصدّ ذوات الظّعن عنّي وقد رأت كلامي لمراء السّنا الطّوامح؟
وقال عبد الله بن الدّمينة:
ولمّا لحقنا بالحمول، ودوننا خميص الحشا تؤذي القميص عواتقه،
عرضنا، فسلمنا، فسلم كارهًا علينا، وتبريحٍ من الغيظ خانقه.
فرافقته مقدار ميلٍ وليتني، على زعمه، ما دمت حيًّا أرافقه
وقال مسكين الدّارميّ:
وإنّي امرؤٌ لا ألقى إلاّ قاعدًا إلى جنب عرسي لا أفارقها شبرا
ولا مقسمٌ لا تبرح الدّهر بيتها ليجعلها قبل الممات لها قبرا.
إذا هي لم تحصن أمام قناعها، فليس بمنجيها بنأيٍ له قصرا،
ولا حاملي ظنّي، ولا قول قائلٍ على غيرها، حتّى أحيط بها خبرا.
[ ٨٨ ]
فهبني امرأً راعيت ما دمت شاهدًا فكيف إذا ما سرت عن بيتها شهرا؟
وقال مسكين أيضًا:
ألا أيّها الغائر المستشيط، على ما تغار إذا لم تغر؟
تعار على النّاس أن ينظروا! وهل يغبن للحاصنات النّظر؟
فما خير عرسٍ إذا خفتها وبتّ عليها شديد الحذر؟!
تكاد تصفّق أضلاعه إذا ما رأى زائرًا أو زفر.
فمن ذا يراعي له عرسه إذا ضمّه، والمطيّ، السّفر؟
ً
وثلاثةٌ من شعراء أولاد العجم ممّن كان مشتهرًا بالغزل مذكورًا، بالشّعر بالبادية، كلّهم قتلوا منهم: وضّاح اليمن، ويسار الكواعب، وسحيم عبد بني الحسحاس. وإنّما قتلوا كفًّا عن أولئك النّساء، وحفظًا لهنّ، حين رأوا التعرّض، وشنعة تلك الأشعار لا يشغلهم عنها إلاّ قتلهم مخافة أن يكون ذلك القتل يحقّق المقالة القبيحة. ألا ترى أنّ الحجّاج بن يوسف في عتوّه لم يتعرّض لابن نميرٍ في تشبّهه بزينب أخته مخافة أن يكون ذلك سببًا للخوض في ذكرها. فيزيد زائدٌ، ويكثر مكثّرٌ. وكذلك معاوية بن أبي سفيان لم يعترض لعبد الرّحمن بن حسّان بن ثابت وكان يتشبّب بابنته، حتّى قال:
[ ٨٩ ]
ثمّ حاضرتها إلى القبّة الخضراء نمشي في مرمرٍ مسنون
ومن أحقّ بالقتل من سحيم عبد بني الحسحاس؟ حيث يقول:
وبتنا وسادانا إلى علجانةٍ وحقفٍ تهاداه الرّياح تهاديا
توسّدني كفًّا وتثني بمعصمٍ عليّ، ونحوي رجلها من ورائيا
وهبّت شمالٌ آخر الليل قرّةً ولا ثوب إلاّ درعها وردائيا
فما زال ثوبي طيّبًا من نسيمها إلى الحول حتّى أنهج الثّوب باليا
ومرّوا به ليقتلوه على الذي اتّهم بها، فضحكت، فقال:
فإن تضحكي منّي فيا ربّ ليلةٍ، تركتك فيها كالقباء المفرج
وحكى العتبيّ، قال: سمع عقيل بن علقمة المرّي بنتًا له ضحكت، فشهقت في آخر ضحكها. فأخذ السّيف وحمل عليها وهو يقول:
فرقت، أنّي رجلٌ فروقٌ، من ضحكةٍ آخرها شهيق
قال: فنادت يا أخوتاه! فبادروا فحالوا بينه وبينها.
[ ٩٠ ]
وحكى أبو حاتم السّجستاني عن الأصمعي، قال: كان عقيل بن علقمة غيورًا، وكان الخلفاء يصاهرونه، وكانت له ابنةٌ يقال لها الجرباء. فكان إذا خرج إلى الشّام خرج بها لفرط غيرته. فخرج بها مرّةً وبابنٍ يقال له عميس، فلمّا كانوا بدير سعدٍ قال عقيل:
قضت وطرًا من دير سعدٍ وربّما غلا غرضٌ ناطحته بالجماجم
ثمّ قال لابنه أجز يا عميس. فقال:
فأصبحن بالموماة يحملن فتيةً نشاوي من الإدلاج، ميل العمائم
ثمّ قال لابنته: أجيزي، يا جرباء. فقالت:
كأنّ الكرى أسقاهم صرّ خدية عقارٌ تمشّت في المطا والقوائم.
فقال لها: وما يدريك أنت ما نعت الخمر؟ هذه صفةٌ من قد شربها.
وأخذ السّوط فأهوى نحوها، وجاء عميس فحال بينه وبينها، فضربه فأوجعه فرماه عميس بسهمٍ، فشكّ فخذيه فبرك، فمضوا وتركوه حتّى إذا بلغوا أداني المياه منهم، قالوا: اللهمّ أسقطنا جزورًا لنا. فأدركوه وخذوا معكم الماء. ففعلوا، فإذا عقيلٌ بارك وهو يقول:
[ ٩١ ]
أنّ ابني زملاني بالدّم من يلق أبطال الرّجال يكلم
ومن يكن درءٌ به يقوم شنشنةً أعرفها من أخزم
ثمّ زوّجها يزيد بن عبد الملك. وقد ذكرنا خبره في ما مضى.
قال: وممّا يحدث الهوى في قلوب النّساء لغير أزواجهنّ، ويدعوهنّ إلى الحرص على الرّجال، والطّلب لهنّ أمورٌ منها: أن يظهر لها زوجها شدّة الحذر عليها، والاحتفاظ بها، والغيرة في غير موضعها. أو يكون الرّجل منهمكًا في الفساد، مظاهرًا لها بالزّنا. فإنّ ذلك ممّا يغريها من طلب الرّجال، والحرص عليهم. كما قال الشّاعر:
ما أحسن الغيرة في حينها، وأقبح الغيرة في كلّ حين.
من لم يزل متّهمًا عرسه متّبعًا فيها لرجم الظّنون،
أوشك أن يغريها بالذي يخاف، أو ينصبها للعيون.
حسبك من تحصينها ضمّها منك إلى عرضٍ نقيٍّ ودين
لا تطلع منك على ريبةٍ فيتّبع المقرون حبل القرين
ذكر الشّعبيّ إنّ عبد الله بن رواحة أصاب جاريةً له،
[ ٩٢ ]
فسمعت به امرأته، فأخذت شفرةً فأتته حين قام وقالت له: أفعلتها يا ابن رواحة؟ فقال: ما فعلت شيئًا. فقالت: لتقرأن قرآنًا، وإلاّ بعجتك بها. قال: ففكّرت في قراءة القرآن وأنا جنب فهبت ذلك، وهي امرأةٌ غيراء في يدها شفرةً لا آمن أن تأتي بما قالت. فقلت:
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا أنشقّ معروفٌ من الصّبح ساطع
أرانا الهدى، بعد العمى، فقلوبنا به موقناتٌ، أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه، إذا استثقلت بالكافرين المضاجع
قال: فألقت السّكّين من يدها، وقالت: آمنت بالله، وكذّبت البصر. قال: فأتيت النّبيّ، ﷺ، فأخبرته بذلك، فضحك وأعجبه ما صنعت.
وكان بعض العلماء لشدّة شهوة الباه في قلوب النّساء، وتمكّنه فيهنّ، وشدّة غيرته، يقول: ليس المصيبة في معاتبة الرّجل المرأة، إنّما المصيبة في معاتبتها إيّاه. فإنّها إن نظرت إليه ووقع بقلبها موقع حظوةٍ لم يلبث أن تصير في يده، وتبعث الرّسائل والأشعار والتّحف.
قال إسحاق: رأيت رجلًا بطريق مكّة، تعادله في المحمل جاريةٌ قد شدّ عينيها والغطا مكشوف، ووجها بادٍ، فقلت له في ذلك. فقال: إنّما أخاف عليها من عينيها، لا من عيون النّاس.
[ ٩٣ ]
قال سعيد بن سليمان لئن يرى حرمتي ألف رجلٍ على حالٍ يكشف منها، ولا تراهم، أحبّ إليّ من أن ترى حرمتي رجلًا واحدًا غير منكشف.
واستأذن ابن أمّ مكتومٍ على رسول الله، ﷺ، وعنده امرأتان من نسائه، فقال لهما: " قوما وأدخلا البيت. " فقالتا: يا رسول الله، هو أعمى، فقال: " أفعمياوان أنتما؟. "
[ ٩٤ ]