وهذا باب، أعزّك الله، أكثر من لا يحاط به. ولكنّي اختصرت من ملح أحاديثهم ما فيه مستمتعٌ. وستقف في الأخر التي أفردناها من أخبار القيان على كثيرٍ منه. وقد قالت الشّعراء في الرّسل في الجاهليّة والإسلام. ومن ذلك قول حميد بن ثور الهلالي:
خليليّ إنّي مشتكٍ ما أصابني لتستقينا ما قد لقيت وتعلما،
أمنتكما، إنّ الأمانة من يخن بها يحتمل يومًا من الله مأثما.
فلا تفشيا سرّي، ولا تخذلا أخًا أبثّكما منه الحديث المكتّما،
لتتخذا لي، بارك الله فيكما، إلى أهل ليلى العامريّة سلّما.
فإن كان ليلًا، فألوناه هديتما، وإن خفتما أن تعرفا فتلثما،
وقولا: خرجنا تاجرين فأبطأت ركابٌ تركناها بثد قيّما.
فإن أنتما أطمأننتما وأمنتما وأخليتما ما شئتما فتكلّما،
وقولا لها: ما تأمرين بصاحبٍ لنا قد تركت القلب منه متيّما؟
أبيني لنا إنّا رحلنا مطيّنا إليك، وما نرجوك إلاّ توهّما.
ألا هل صدا، أمّ الوليد مكلّمٌ صداي، إذا ما كنت رمسًا وأعظما
[ ٢٢٢ ]
وقال المأمون لرسولٍ بعث له:
بعثتك مرتادًا، ففزت بنظرةٍ وأغفلتني، حتّى أسأت بك الظّنّا،
وناجيت من أهدى وكنت مقرّبًا. فيا ليت شعري، عن دنوّك ما أغنى؟
وردّدت طرفًا في محاسن وجهها، ومتّعت باستمتاع نغمتها الأذنا.
أرى أثرًا منها بعينيك لم يكن، لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا.
فيا ليتني كنت الرّسول فأشتفي، وكنت الذي يعصي وكنت الذي أدنى.
وقال أبو الطّيّب المتنبّي في مثل ذلك:
ما لنا كلّنا جوىً، يا رسول، أنا أهوى، وقلبك المتبول
كلّما عاد من بعثت إليها، غار منّي، وخان فيما يقول.
أفسدت بيننا الأمانات عينا ها وخانت قلوبهنّ العقول
وإذا خامر الهوى قلب حبٍّ فعليه لكلّ قلبٍ دليل.
وقال بعض المحدّثين:
يا سوء منقلب الرّسول مخبرًا بخلاف ظنّي
إنّي أعيذك أن تكون شغلتني وشغلت عنّي
وأنشد لأبي نواس:
[ ٢٢٣ ]
يا من أتى من دون حاجته بابًا، وأحراس به وكلوا:
شمّر ثيابك، قد شغلت بما لو عمّ خلق الله لاشتغلوا،
وانظر رسولًا ذا ملاطفةٍ لولا مرارة غمّه عسل
ممّن عليه غباوةٌ، وترى أفعاله كالنّار تشتعل
لا يحلفون به إذا خرجوا الابتذال ولا إذا دخلوا
وأنشد أحمد بن عيسى الأهوازي في قوّادة:
تكاد لو لم تكن أنسيّةً تجري من الإنسان مجرى الدّم
لا يعصم المقدار من كيدها محلّه في الموضع الأعظم
وأنشد لآخر أيضًا:
إذا أردت أن تناجي غادةً من الغواني صعبة المنقده
فادسس لها عجيزًا قوّادة أدبّ في الظّلماء من جرادة
قد انحنت من شدّة العبادة تلوح في جبينها السّجّادة
كالحسن البصري أو قتادة في يدها سبحتها الصّيّادة
قد أحكمت من شدّة المرادة قد ألفت غرائب القيادة
فإنّها تدخل، كالمرتادة، بذكر كلّ غافلٍ معادة
[ ٢٢٤ ]
وتصف الشّقاء والسّعادة حتّى إذا نصبت لها الوسادة
ولاحظت عقلة وقّادة ثمّ خلت بالغادة المرادة
تروّضها باللّجم المقادة حتّى ترى طاعتها سعادة
وقال أحمد بن أبي طاهر:
فأرسلتها أمضى من السّيف مقدمًا وأسرع من سيلٍ بليلٍ إذا احتفل
تدبّ دبيب النّمل في كلّ مفصل لطافتها في الرّأي والقول والحيل.
يذلّ لها الصّعب الجموح قياده وتهدي إلى طرق الضّلال فلا تضل
يرى الفطن الدّاهي عليها عبادة إذا ما رآها وهي أختل من ختل
يؤلّف بين الأسد والشّاء لطفها ويستنزل العصماء من شغف القلل
ولو أنّها شاءت، بأهون سعيها، لألّفت الذّئب الأزل مع الحمل
ولو جبلٌ رامت إزالة ركنه برقيتها يومًا لزلّ بها الجبل
يغرّ العيون زهدها وخشوعها وتسبيحها عند الشّروق وفي الأصل
تسهّل ما قد كان وعرًا طريقه وتفتح ما قد كان غلقًا وما قفل.
[ ٢٢٥ ]
وأنشد لابن بشير:
وزولةٍ في الذي رامت يتاح لها مت التّجارب أسباب المقادير
لا تحزر الخود منها أن تدبّ لها مشيّدٌ محكم البنيان والسّور
كأنّ في قلب من يصغي لمنطقها من حرّ ما نعتت لسب الزّنابير
أخفى من الرّوح في تأليف معصيةٍ إذا تأمّلت من لطفٍ وتقدير
قد ناطت الدّهر مصباحًا بمعصمها تشيمها بذوات البرّ والخير
خلت بواضحة الخدّين مخطفةٍ كغصن بانٍ رشيق القدّ ممطور
باتت تعلّمها في طول ليلتها تقارب الخطو في ميل وباطير
رفقًا، وتقليب عينٍ عند كلّ فتىً يرنو بمقلتها أنفاس مبهور
ما زلت أسألها حظًّا وترفع لي في السّوم، حتّى أجابت بعد تعسير
لبذلٍ أصغر، دهرًا كنت أدخره، أزهو برؤيته زهو المياسير.
وأنشد لإسحاق بن خلف البصري:
لو أنّ رقيتها في صخرةٍ نطقت أو أذن خرساء أضحت غير خرساء
أخفى من الرّوح إذ دبّت لحاجتها ولو تشاء مشت رفقًا على الماء.
وأنشد الخمّار:
[ ٢٢٦ ]
ظلم النّاس، حسبنا ورموه بالكبائر
ما له عيبٌ سوى، إصلا حه بين العشائر
وأنشد لعبد بن وهب:
قالوا ابن عثمة قوّادٌ، فقلت لهم: كذبتم، ما أبو حفص بقوّاد
لكنّه رجلٌ يخليك منزله بالدّرهمين وما يبقى من الزّاد
وأنشد ابن الأعرابي:
هل من رسول لطيف إلى غزالٍ عنيف
له سريرة ذئبٍ وسمت قسّ عفيف
تكامل الظّرف فيه ففاق كلّ ظريفٍ
ومن ملح ما قيل في هذا المعنى قول ابن الدّمينة:
خليليّ سيرا مسعدين فسلّما على حاضر الماء الذي تردان
ومرّا فقولا: نحن نطلب حاجةً ومرّا فقولا: نحن منصرفان
[ ٢٢٧ ]